تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢

وخلاصة القول ، فإن الإمام زين العابدين الذي كان لا تبرح ذاكرته مأساة الطف ، ويديم البكاء حتى قال : « إن يعقوب عليه السّلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف ، ولم يعلم أنه مات . وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا ؟ » يحمل أعباء الإمامة في ظروف أدّت بالحكام إلى أن يرتكبوا جريمتهم النّكراء بحق أهل بيت النبي . ولمّا سئل : كيف أصبحت ؟ قال عليه السّلام : « أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبناءنا ، ويلعنون سيدنا وشيخنا على المنابر ، ويمنعونا حقّنا » « 1 » . ولقد كانت فترة إمامته فترة صعبة وحرجة لم يتغير من السياسة شيء ، بل إن المجازر اتسعت وطالت الحرمين ، فيشكو بثّه ويدعو ربه : « حتى عاد صفوتك وخلفائك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلا وكتابك منبوذا وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك ، وسنن نبيك متروكة . اللهم العن أعداءهم من الأولين والآخرين ، ومن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم » وفي وسط ذلك كان عليه أن يمضي في رسالته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويحدّث الناس بحديث جده . فكانت فيما يهمّهم من أمور دينهم وأحكام شريعته ، وتبصيرهم بالمصلحة وما يعود عليهم بالنفع والبقاء . وإذا كانت هذه الأوضاع التي يعيشها قد حالت دون أن يتّخذ حلقة ، إذ كيف يتسنّى له العمل كالآخرين وهو مثقل بهذه الأعباء والأحزان والهموم ، فإن مآثره في الفكر والعمل كانت قدوة الصالحين ، وأسوة الزهّاد المتعبّدين ، ومنهجه في الحياة مثل للأئمة الطاهرين في أن يكون الدين غاية الدعوة والعدل عمادها ، فكانت وصيته إلى ولده ، ووصيّه الإمام الباقر عليه السّلام : « يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي ، فقد قال لي : يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا اللّه » . ومن وصاياه لخليفته الإمام الباقر ما يزن به أصناف الناس ، ويرسم صور تصرّفاتهم بميزان العاقل الحكيم وبريشة الخبير المفن . قال الإمام الباقر « أوصاني أبي قال : لا تصحبن خمسة ، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق . قال : قلت : جعلت فداءك يا أبت من هؤلاء الخمسة ؟

هامش
( 1 ) تذكرة سبط ابن الجوزي .