سارت بذكره الركبان ، وازدحمت على مجلسه الوفود من شتى الأقطار ، فكان بحق أعلم أهل عصره ، ولم يكن هناك أعلم منه . وقد أعلن عليه السّلام للملإ بقوله : « سلوني قبل أن تفقدوني فإنكم لن تجدوا أحدا مثلي » « 1 » . وقد شهد له علماء عصره من تلامذته وروّاد مجلسه كمالك ابن أنس وأبي حنيفة والسفياني « 2 » . وكان عصره يتّصف بمفارقات أوجدت مشاكل عديدة أثقلت كاهل كل مسلم يحس بواجبه تجاه أمته عندما اصطدمت بأمور محدثة يغلب عليها طابع المصالح الذاتية ، وشاعت مظاهر الفساد وترسّخت اتجاهات الشذوذ عن العقيدة والابتعاد عن الإسلام ، رغم أبراد التديّن التي لبسها الحكام ورسوخ دعائم سلطانهم باسم الدعوة إلى الإسلام والقيام بأمر الخلافة وشئون النظام . وكان للتحول السياسي الذي شهده عصر الإمام الصادق أثر في تعقيد الأوضاع وقيام موجة من الاضطراب ، هددت أمن المجتمع الإسلامي ، ورمت به إلى معترك هام قضى على بقايا استقراره . وعند ما ظهرت الدعوات المختلفة ، وقامت الثورات المتلاحقة ، وكل يدعي المحاماة عن الدين والدفاع عن شريعة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقف الإمام الصادق عليه السّلام وسط تراكم الأحداث وانعطاف الأسباب وحدوث التطورات موقف مسؤولية كبرى من حيث التصرف الذي تقتضيه المرحلة والمسئوليات التي تطرحها الظروف القائمة على أهل بيت النبوة ، والعمل المطلوب أمام تلك المشاكل . فهم رجال رضعوا لبن الفضيلة ، وتشرّبت دماؤهم العقيدة الإسلامية ، وقدّموا في ميادين الفداء أعظم التضحيات ، وبذلوا كل إمكانياتهم في سبيل نشر الدعوة الإسلامية . فقد وأكبوا تلك الدعوة في يومها الأول ، وعاصروها على مرّ الزمن ، حتى باتت لباسهم الحق وسمتهم الأصيلة . والإمام الصادق ولد في مهبط الوحي ، وترعرع في مهد الرسالة ، وتدرّج في
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 228
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٢٨
هامش
( 1 ) و ( 2 ) الذهبي تذكرة الحفاظ ج 1 ص 157 . ومناقب أبي حنيفة للموفق المكي ج 1 ص 173 . وانظر الجزء الأول والثاني من الإمام الصادق والمذاهب الأربعة .
( 1 ) و ( 2 ) الذهبي تذكرة الحفاظ ج 1 ص 157 . ومناقب أبي حنيفة للموفق المكي ج 1 ص 173 . وانظر الجزء الأول والثاني من الإمام الصادق والمذاهب الأربعة .