تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١

كان الإمام الصادق يحظى برعاية جدّه لأبيه الإمام علي بن الحسين زين العابدين ، وهو معلّمه الأول حيث لازمه مدة ثماني عشرة سنة ، فترعرع في ذلك الجو الذي يفيض بعبق النبوة ، ويستلهم دروس التضحية الكبرى ، حيث يهزّ الناس أثر الفجيعة والمأساة ، ويرتسم على كل وجه ألم المصاب عندما تطوف ذكرى استشهاد الحسين وخروجه من المدينة ، وذكرى يوم الحرّة وإباحتها ، فتلتهب النفوس وترتبط برابطة الاتصال بآل محمد كلما أوغل الحكام في الظلم وسفك الدماء ومطاردة الأحرار من المسلمين ، وهدم دور الصلحاء والمتعبدين ، وذلك في العهد الأموي الأسود . توفي جده الإمام زين العابدين سنة 94 ه فعاش مع أبيه الإمام الباقر الذي كان موضع اهتمام العلماء وموئل الفقهاء ، وكانت حلقة درسه تعقد بالمسجد النبوي - وهي المدرسة الكبرى لطلّاب العلم ورجال الحديث - فلا تعقد هناك حلقة إلا بعد انتهاء الباقر من حديثه . وحضر عنده جمع من الفقهاء أمثال : عمرو بن دينار الجمحي ، وعبد الرحمن الأوزاعي ، وابن جريج ، ومحمد بن المنكدر ، ويحيى بن كثير ، وزيد بن علي . وخلال تلك الفترة كان الإمام الصادق على اتصال مباشر بالحركة الثورية والنهضة العلمية ، وإليه تتجه الأنظار من بعد أبيه لنبوغه وتضلّعه في الفقه وتبحّره في الدين ، ولكثرة ملازمته لأبيه في حلّه وترحاله ؛ إذ دخل معه الشام ومكة المكرمة ، وظهرت عليه علائم الفضل وشرف العلم ، وعزة النفس وصدق اللهجة ، والمهابة والجود وكرم الأخلاق . ويقول عمرو بن المقدام : ( إذا نظرت إلى جعفر بن محمد ، علمت أنه من سلالة النبيين ) « 1 » حتى إذا وافى أباه الباقر الأجل ، وانتقل إلى جوار ربه ، قام بأعباء الإمامة وتفرّد بالزعامة ، وكانت مدة إمامته أربعا وثلاثين سنة . وقد كابد مرارة النكبات الواحدة تلو الأخرى ، وعاصر آثار الفجيعة التي منيت بها الأمة بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السّلام وإباحة المدينة ثلاثة أيام في وقعة الحرّة ،

هامش
( 1 ) صفة الصفوة لابن الجوزي ج 2 ص 94 . ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 457 . وتهذيب التهذيب ج 2 ص 104 .