التاريخي ، على أن مشكلة خلق القرآن وقيام المأمون بإلزام الفقهاء في ذلك أوجد مشكلة كلامية تحتاج إلى دراسة واسعة في علم الكلام ، وبيان الكلام النفساني ، وتعلّقه بالذات .
كما أن الأسباب التي دعت المأمون إلى هذا الإلزام ، وحملته على نشر ذلك بالقوة كذلك تحتاج إلى دراسة واسعة .
ثم القول بخلق القرآن ، هل هو الإحداث ، ولا شك أنه محدث ، أم أرادوا الخلقة أو التكوين الحادث للكلام وهو من صفات اللّه ، وإن صفاته عين ذاته ، وقد عرضناها في هذا الجزء بقدر ما تقتضيه ضرورة البحث .
وغير بعيد أن الحنابلة قد أوهموا على الناس في هذه المسألة ، وجعلوها في قالب آخر ، وأوردوها لهم بصورة ينكرها الجميع ، وذلك بتفسيرهم المخلوق بالمكذوب . فقد ورد في كثير من أقوال العرب اختلق كذا أي كذب فيه . وقد ورد عن الخليل بن أحمد - صاحب كتاب العين - أنه كان يمنع أن يوصف الكلام بالمخلوق ويقول : إن الكلام متى وصف بالخلق فالقصد به الكذب ، ولهذا يقال :
كلام خلقه فلان أي تقوّله - وقد مر بنا ذلك سابقا - .
وفي أيام المحنة أن بعض الفقهاء لما سئل في القرآن قال : أصفه بأنه محدث ، ولا أقول بأنه مخلوق لقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَث
.
فمعنى أنه مخلوق أي مكذوب وهو غير منزل . وغير بعيد على قوة دعاية الحنابلة وتغلغلهم في المجتمع أنهم أفهموا الناس بأن المعتزلة يذهبون إلى خلق القرآن أي إلى عدم كونه منزلا من اللّه سبحانه وتعالى . وبهذا هبّت عواصف الغضب على المعتزلة ، وانتصر عليهم المحدّثون .
كما لا أستبعد أن أكثر الحنابلة - الذين يقومون بنشر هذه الدعاية - لا يفهمون إلّا المعنى اللغوي ، وهو أن المخلوق هو المكذوب ، ولم يذهبوا مذهب المعتزلة في الكلام وما هو معنى ذلك .
وكيف يستبعد انتشار أمثال هذه الدعاية في عصر انتشر فيه الجهل والجمود الفكري ، وأصبح الناس يسير أكثرهم وراء عاطفة عمياء لا يميز بين الحق والباطل ،