تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية . فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور ، ووضع منبرا ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا . وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا . ويلاحظ من هذا أن مشكلة خلق القرآن كانت قضية سياسية بدءا وختاما ، فقد قام المأمون بفرض ما يرتئيه ، وحمل الناس قسرا على معتقده ، وامتحن الناس بعنف وشدة ، فقرّب من يقول بمقالته ، وعاقب من يخالفه بألوان العذاب . وعلى ذلك سار خلفه ، وقد حاولوا جعل الاعتقاد بخلق القرآن عقيدة رسمية ، فقد كان أحمد بن أبي دؤاد يأمر المعلمين في الكتاتيب أن يلقنوا الصبيان أن القرآن مخلوق ، وأن يصبح ذلك من الدروس التي يلزم تدريسها في معاهد التعليم ، لينشأ الجيل الجديد على عقيدة الاعتزال التي فرضتها الدولة ، وامتحن الناس بها . أما في النهاية ، أي في دور المتوكل ، فكان الأمر كسابقه يتّصف بالقهر والعنف والشدة ، وحمل الناس على ما ترتضيه الدولة من القول : بأن القرآن غير مخلوق . وهكذا ضاع جوهر المسألة ، وابتعدت عن مقوماتها العلمية وما تحتاج إليه من دراسة ، وتقديم الطرق العلمية نفيا وإثباتا ، بل زاد الأمر تعقيدا باستعمال لفظة مخلوق أي مكذوب ، وأشيع في الناس أن المعتزلة يذهبون إلى أن القرآن غير منزل من اللّه تعالى . والمعروف أن المعتزلة على اختلاف فرقهم ومتكلّميهم لم يكن أحد منهم يذهب إلى ما اتهموا به من الطغى في القرآن والتشكيك في أنه منزل من عند اللّه ، وقد صدروا في نظريتهم عن الصفات ، ومنها صفة الكلام التي ترتب عليها قولهم بأن القرآن مخلوق عن إيمان صادق حرصوا فيه على تأكيد وحدانية اللّه وتنزيهه ، حتى وسموا بأهل العدل والتوحيد . وفي عهد المتوكل سار الناس على غير هدى ولا وضوح للمسألة ، بل كان الأمر سياسيا وخارجا عن دائرة النزاع العلمي الذي يؤدي إلى نتائج واضحة سلبا أو إيجابا ، ولعل أكثرهم يودّ التعرّف على حقيقة الأمر ، ويكتم ذلك خوفا من السلطة . ومن الأحداث ما يصرّح باعتلاج النفوس وازدحام الأذهان بالتساؤلات التي تدور بين طبقي رحى السلطة والتعنّت . فالإمام أحمد لايني عن تكفير من تسوّل له نفسه الاستفسار أو تحرّي الحق ، ولا يتردد في معاملتهم كالمرتدّين ، فكلام اللّه غير