ولكن هلم فاعجب من رجل يدّعي الإمام بالتاريخ ، وكلّف نفسه كتابة التاريخ الإسلامي ، ولكنه محى أكثر مما كتب ، وأفسد أشياء كثيرة ، وعقد مسائل واضحة .
هذا الرجل هو جرجي زيدان ، يعيش في القرن العشرين ، ولكنه يعيش في عقلية قرون الجهل والجمود ، فهو يذكر لنا في تاريخه الذي أسماه ( التمدن الإسلامي ) 3 / 141 ط 1 أن المأمون تمسّك بمذهب الاعتزال ، وقرّب إليه أشياخه ، وصرح بأقوال لم يقو هؤلاء على التصريح بها خوفا من غضب الفقهاء ، وفي جملتها القول بخلق القرآن ، أي أنه غير منزل .
فأنت ترى أن جرجي زيدان ينسب للمعتزلة إنكار نزول القرآن ، وهذا كفر محض ، وهو افتراء محض ناشئ من سوء الفهم ، وعدم الإلمام بأطراف المسألة ، وجهل بالمسائل الكلامية .
ولا نودّ هنا أن نقف مع مؤلف التمدّن الإسلامي فنكشف أخطاءه المتعمدة وغيرها . فنحن قد سجلنا عليه الكثير من ذلك ، ويكفي هنا تغييره لهذه المسألة ، وتحويلها من الصراع الفكري الحاد إلى جمود لا يتعدى الخلاف بمفهوم اللفظ اللغوي الذي يجعل المسألة من أبسط المسائل وأوضحها . وإن إطلاق المخلوق على المكذوب أمر لا يحتاج إلى أبحاث علمية ومنازعات كلامية بين المعتزلة والمحدثين .
وكما قلنا إن الحنابلة قد انتصروا على خصومهم بما كان لكلمة مخلوق من دلالة ، وهي أنه مكذوب . وبهذا استطاعوا أن يحرّكوا شعور المجتمع ضدّهم . ولكن قوة الحكم وعنف المؤاخذة وحمل الناس قسرا على القول بخلق القرآن جعل للمعتزلة قوة يتحصّنون بها . حتى إذا حان الوقت ، وزال ذلك الحكم ، وتبدّل وضع الدولة ؛ فشل المعتزلة فشلا ذريعا ، ونالهم الأذى ، ونسب الناس إليهم كل قبيح . وكان لثبات أحمد ، وللظروف التي ساعدته على ذلك أثر في طلوع نجمه ، بعد أن أفل نجم المعتزلة بقيام المتوكل العباسي ، ورفعه للمحنة . ولعل من هذا الفهم لكلمة مخلوق ، واتهام المعتزلة بأنهم ينفون وجوده وتنزيله ، كان للمتوكل شأن بين المحدّثين ، فجمع العلماء من الفقهاء والمحدثين وكان فيهم - كما مر بنا - مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم الهروي ، وعبد اللّه وعثمان ابنا أبي شيبة ، فقسمت بينهم الجوائز ، وأجريت عليهم الأرزاق ، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ، وأن يحدّثوا
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 215
مساهمون: اسد حيدر
ص٢١٥