موقفا يليق برجل في منزلته . وبتأثير هذا الموقف راحت توجه الأسئلة إليه : هل يلعن يزيد ؟ فقد تظافرت أراؤه السابقة في إطاعة الحكام وعدم الخروج عليهم مع صمته على التجرؤ على مثل هذه الأسئلة . وأغلب الروايات أنه كان يجيب بلعن يزيد ، ويقول : كيف لا ألعنه من لعنه اللّه في ثلاث آيات من كتابه العزيز في الرعد والقتال والأحزاب . وأحمد بن حنبل مبالغ في تقرير شرف الصحبة ، فيرى أن الصحابي هو كل من صحب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه . وهو ما يتّفق مع نزعته في تقديس السلف ، وميله إلى الأخذ بما عدّ من الأثر ، والمشهور الذي تعاهده حكام بني أمية وبني العباس بالرعاية والحماية والترغيب في الوضع والانتحال . فكان على عهد معاوية الحديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . وهنا على رأي أحمد ، وعملا بهذا الحديث فإن معاوية صحابي وإمام من أولئك الذين يعنيهم في السمع والطاعة . وفي عهد بني العباس كانوا يجعلون المحدّثين يقولون : معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإذا كشف الرجل الستر اجترئ على ما ورائه « 1 » . واللّه أعلم بدوافع قول أحمد : خير هذه الأمة بعد نبيها أبي بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان . ويتوقف ، ثم يجعل الإمام علي ضمن أصحاب الشورى : الزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد « 2 » . ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن أحمد في ذلك يقف موقفا وسطا بين أبي حنيفة ومالك ( فأبو حنيفة في رواية صحيحة عنه يفضّل عليا على عثمان رضي اللّه عنه . . . ومالك يعدّ السبق في ثلاثة : أبي بكر وعمر وعثمان ، ثم يذكر أن بعدّ ذلك يستوي الناس ، أما أحمد فإنه لا يعدّ سيف الإسلام في سائر الناس ، بل يجعله في أصحاب الشورى الخمسة بعد رفع عثمان رضي اللّه عنه ، والناس بعد ذلك دونهم على مراتب ) « 3 » . ونحن نرى باعتماد الأقوال الأخرى لأحمد أن أحمد واقع تحت تأثير الخوف من المتوكل الذي كان من أشدّ النواصب والمعادين للإمام علي وآل بيته ، وهو مشفق
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 209
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٩
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 1 ص 209 .
( 2 ) ابن حنبل ص 147 .
( 3 ) ابن حنبل ص 147 .