يفرض لنفسه فرضا يركبون بركوبه ، ويتصرّفون في أموره . ففرض أربعمائة غلام مردا اختارهم حسان الوجوه ، فافتضح بهم . قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : ذكر يحيى بن أكثم عند أبي فقال : ما عرفت فيه بدعة . فبلغت يحيى فقال : صدق أبو عبد اللّه ، ما عرفني ببدعة قط . قال : وذكر ما يرميه الناس به فقال : سبحان اللّه ! سبحان اللّه ، ومن يقول هذا ؟ وأنكر ذلك أحمد إنكارا شديدا « 1 » . وعلى شاكلة يحيى بن أكثم كانت دفّة حكم المتوكل ، فلم يكن في وزرائه والمتقدّمين من كتّابه وقوّاده من يوصف بجود ولا إفضال ، أو يتعالى عن مجون وطرب . يظهر لنا من ذلك أن صفة إحياء السنة التي تعني الالتزام بأهداب الدين ومحاربة الخروج عن أصول الإسلام تخفي تحتها واقعا سيئا كأي حاكم آخر ممن تستروا بالدين واتخذوا شعائر الإسلام غطاء لجرائمهم . وهذا الواقع بعيد عن أنظار العامة ، فهم في انفعال لا يكاد يخف حتى يشتدّ ، وانقيادهم إلى الذين أطلقوا هذه الصفة انقياد أعمى ، حتى كأن العامة تنظر وتنطق بأنظار وألسنة النابهين في تلك الفترة والمتزعمين الذين راحوا يكيلون المدائح للمنقذ المتوكل ، ويشيعون الأخبار والمنامات عن جزائه عند اللّه ، ومكانته في الدين ، فتأخذ سياسته على أنها السنّة ، ويحسب كل ما يصدر عنه من الدين والتقوى ، وكان من سمات حكمه الغالبة عداؤه الشديد لآل علي ، ونقمته الشديدة على الشيعة ، ومن سوء حظ الأمة أن يتاح للحكام مثل هذه الأدوار ليؤثروا في العامة بصفاتهم الدينية ، وهم في غفلة عن حقيقة ودوافع من يحكمهم ، لأن الوسطاء الذين يقومون بذلك يحجبون بمكاناتهم ومنازلهم الدينية الحقيقية ، ولا يرغبون في خروج العامة عن أغراضهم . حدّث نصر بن علي الجهضمي بحديث : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخذ بيد حسن وحسين فقال : « من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما ؛ كان معي في درجتي يوم القيامة » فأمر المتوكل بضربه ألف سوط ، فكلّموه بأن الرجل من أهل السنة ، ولم يزالوا
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 207
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٧
هامش
( 1 ) الطبقات : 1 / 412 .