وأخذ المتوكل يروّج المنامات عن نفسه على طريقتهم ، فيدّعي أنه رأى النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المنام ، وقام إليه فقال له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : تقوم إليّ وأنت خليفة . ويعبّر له الحاشية ذلك بقولهم : أبشر يا أمير المؤمنين ، أما قيامك إليه فقيامك بالسنة ، وقد عدّك من الخلفاء . فيسر بذلك « 1 » . وهكذا حصرت السنّة في رعاية الحنابلة ، وترك حبلهم على الغارب يعيثون في الأرض ويرتكبون ما حمل ابن تيمية - أبا بدعة الوهابية وشيخ مذهبهم - أن يقول : بأنهم أتوا من المنكرات والإمام أحمد بريء منهم « 2 » . وهو قول يرمي به إلى نفي المسؤولية عن أسلافه ، ويفتقر إلى الصحة ، لأن رجال أحمد كالمروذي وأصحابه كانوا على رأس العامة يهيّجونهم إذا هدأوا ، ويستفزّونهم إذا خمدوا . وقد كانت البداية في عهد المتوكل ، ثم توالت عهود هيمنتهم وتحكمهم وإلزام الناس بأفكارهم المجسّمة وغيرها ، حتى بلغ الأمر تهديد من يخالفهم ، واستعداء الحكام عليه ، واستخدام قوتهم لأغراض مذهبهم . فكان من وجوه ابتلاء الأمة أن يتعرّض كل من لا يرى رأيهم في التجسيم والرؤية « 3 » للأذى ، في حين يبقى يحيى بن أكثم - وهو من أركان الحكم في عهد المأمون - على مكانته ، ويظل في منزلته من الخليفة ، لأن أحمد بن حنبل راض عنه . قال المأمون ليحيى بن أكثم : من الذي يقول - وهو يعرّض به - :
« 4 » ولمّا كان يحيى بن أكثم قاضيا للبصرة ، رفع الناس إلى المأمون أنه أفسد أولادهم بكثرة لواطه ، وبلغ من إذاعته ومجاهرته باللواط في بغداد أن المأمون أمره أن