فتحوّل البعض عن طريقة السلطة العباسية ، وبقي أحمد وحيدا في أجواء التحوّل والتغيير ، مستمسكا بالطريقة التي تهاب البحث وتخشى النقاش ، وإن كانت تحرز كنزا وتدّخر ثروة من فهم الكتاب بأي طريقة كانت ، وتمثّل السنة بأيّ صورة تمّت ، لأن الظاهر القائم على وضوح النص وتحريّ السبب معين فيّاض يوفّر الحجة ويغني في الجدل . بإسناده قال الميموني : سمعت علي بن المديني يقول : ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما قام أحمد بن حنبل . قال : قلت له : يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصديق ؟ قال : ولا أبو بكر الصديق . إن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب ، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب أه . سبق أن قدّمنا أن الكرابيسي كان أول ضحايا السلطة بعد جنازة ابن حنبل ، وقد بدر من المتوكل من مشاعر التقديس والإجلال لأحمد بن حنبل ما لم يحظ به أحمد من رؤساء المذاهب الذين سبقوه ، فيقول لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر : طوبى لك ، صلّيت على أحمد بن حنبل . وبعد موت أحمد اندفع أصحابه تحت شعار - إحياء السنّة ومحاربة البدع - إلى إيذاء الناس والاعتداء على الآخرين . ولمّا تصل الأخبار إلى المتوكل يقول لصاحب الخبر : لا ترفع إليّ من خبرهم شيئا ، وشدّ على أيديهم فإنهم وصاحبهم من سادات أمّة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . يقول ابن كثير : ( كان المتوكل محببا إلى رعيته ، قائما في نصرة أهل السنة ، وقد شبّهه بعضهم بأبي بكر في قتله ( أهل الردة ) لأنه نصر الحق وردّه عليهم حتى رجعوا إلى الدين ، وبعمر بن عبد العزيز حين ردّ مظالم بني أمية ، وقد أظهر السنّة بعد البدعة ، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها ، فرحمه اللّه ) . وتولى الحنابلة - وعلى رأسهم صالح بن أحمد - نشر المنامات التي تصوّره بأنوار قدسية وبين يدي ربه ، لأنه محيي السنة ردا لرعايته وتبنّيه لأمرهم . فقد بلغ الأمر بالمتوكل أنه أرسل جماعات تحصي عدد المصلّين أو المشيعين .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 205
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٥
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 1 / 15 .