الدماء ، لأن العباسيين شأنهم شأن من سبقهم من الظلمة لا يتورّعون عن سفك دماء آل البيت بسبب أو بدون سبب . ومع شدّة حذره عليه السّلام تعرّض إلى القتل على يد المنصور تسع مرات ، غير أنه عليه السّلام وضع قواعد الدعوة الصامتة ، وخاطب أصحابه بأن يكونوا دعاة صامتين لآل البيت ، ثم رسم للعلماء والمتكلمين من أصحابه الأدوار ، وحدد المسئوليات كما مر بنا في هذا الجزء من الكتاب والأجزاء السابقة . لم يؤثّر تردّد أحمد بن حنبل ، فقد كان سلوكا لا يجاوز الأسرة ، يجري كشأن عائلي بحت مناطه المال . أما آراء أحمد السابقة فهي شائعة عن مريديه ومعروفة لالتماع شخصه واشتهار اسمه في المحنة ، والمتوكل يعمل على إلباس عهده صفة الحنبلية ، وأحمد يتعاون مع هذا الاتجاه ، ويستجيب برغم نفوره من المخالطة ؛ إلا أنه كان له الرأي في الأمور المذهبية ، وكان المتوكل يستشيره في التعيين للقضاء ، ويأخذ برأي أحمد كما حدث عندما بعث المتوكل إلى أحمد يستشيره في تولية محمد بن شجاع الثلجي من فقهاء الحنفية . فقال : لا ، ولا على حارس . ورأي أحمد فيه : إنه مبتدع صاحب هوى « 1 » وأنفذ إليه المتوكل بصاحب لم يعلمه - ونورد القصة بسياقها وهي جديرة بالبحث والتعليق - : أن له جارية بها صرع ، وسأله أن يدعو اللّه لها بالعافية . فأخرج له أحمد نعل خشب بشراك خوص للوضوء ، فدفعه إلى صاحب له ، وقال له : تمضي إلى دار أمير المؤمنين ، وتجلس عند رأس الجارية ، وتقول له : يقول لك أحمد أيما أحب إليك ، تخرج من هذه الجارية أو أصفع الآخر بهذه النعل ؟ فمضى إليه ، وقال له مثل ما قال أحمد ، فقال المارد على لسان الجارية : السمع والطاعة ، لو أمرنا أحمد أن لا نقيم في العراق ما أقمنا به ، إنه أطاع اللّه ، ومن أطاع اللّه أطاعه كل شيء . وخرج من الجارية ، وهدأت وزوّجت ورزقت أولادا « 2 » . وعلى عهد أحمد بزغ نجم الحنابلة ، وطلع فجر ليلهم الدامس بفضل انتصار المتوكل للإمام أحمد . ويحلو للحنابلة أن يصوّروا أحمدا وحيدا في المحنة ، ليتدرّجوا في غلوّهم ، متناسين أن الأمر صنعته أهواء الحكام وأغراض السياسة .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 204
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٤
هامش
( 1 ) المنتظم 5 / 57 .
( 2 ) طبقات الحنابلة 1 / 233 .