إلى التلف والهلاك . فجسور الودّ قائمة ، وحبال الوصل ممدودة ، والفترة تشهد سواه ممن يقوم بهذا الواجب . وفي سيرة إسحاق بن حنبل عمّه - ما يشير إلى مخالفة أحمد ليس في أمر المال فحسب ، بل في نظرته إلى ما يتاح له من عمل . فيسأله الدخول على الخليفة ليأمره وينهاه قائلا له : إنه يقبل منك . وهذا إسحاق بن راهويه يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه ، فيجيبه أحمد بالسلبية التي لا يرجى تغييرها : الدنو منهم فتنة ، والجلوس معهم فتنة ، نحن متباعدون منهم وما أرانا نسلم ، فكيف لو قربنا منهم ؟ هذا والإمام أحمد في ظل دولة تكاد تعلن آراءه ونهجه مذهبا لها ، ويتقرّب إليه ملكها بودّ كبير ، وليس للحكام معه عداء أو مع أهله ، ولا يشكل وجوده خطرا عليهم . وهنا نشير إلى منهج أهل البيت النبوي الكرام ، وأولاد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام ونسوق مثالين : أحدهما في عصر الأمويين ، والآخر في عهد العباسيين ، إذ لم يتخل الحكام عنهم في كلا العصرين ، واستمروا في معاملتهم بقسوة دموية وسياسة لا إنسانية ، لأنهم يشكلون خطرا يتهدّد كيانهم الجائر وسلطانهم الظالم . عن المسؤولية الدينية ووجه القيام بها في العصر الأموي نشير إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين ، الذي عاش مأساة الطف ، وشب وجريمة الأمويين تصبغ بالعار كل أوجه الحياة ، فسلك طريق الانقطاع إلى اللّه ، وتوجيه الأمة بالنصح والإرشاد ، وهو في ظل حكم السلالة الأموية ، فيرى أن التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنابذ كتاب اللّه وراء ظهره ، إلّا أن يتّقي تقاة . قيل : وما تقاته ؟ قال : « يخاف جبارا عنيدا أن يفرط عليه أو أن يطغى » « 1 » . وعن الضرورة التي تجعل التقية جنّة المؤمن عملا بقوله تعالى :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 203
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٣
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُون الْكافِرِين أَوْلِياءَ مِن دُون الْمُؤْمِنِين ومَن يَفْعَل ذلِك فَلَيْس مِن اللَّه فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاةً
نحيل إلى ما ضمّه هذا الكتاب من صفحات من سيرة الإمام الصادق عليه السّلام وهو يواجه الطغيان العباسي ، ويرى أن التعرّض للدولة قتل للنفس ، واللّه سبحانه وتعالى يقول :
ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلَى التَّهْلُكَةِ
فتحامى الحكام ، ودعا إلى وقاية الأنفس وحفظ
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 3 / 140 .