تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢

جاع - وهو عند المتوكل - جوعا عظيما ، وكاد أن يقتله الجوع . وقد قال بعض الأمراء للمتوكل : إن أحمد لا يأكل لك طعاما ، ولا يشرب لك شرابا ، ولا يجلس على فراشك ، ويحرّم ما تشربه . فقال : واللّه لو نشر المعتصم ، وكلّمني في أحمد ؛ ما قبلت منه « 1 » . ويروى أنه كان يتألم من هذا اللقاء ويقول : سلمت منهم طول عمري ، ثم ابتليت بهم في آخره « 2 » . فلما ذا هذا الألم ؟ وكيف يتفق ذلك مع الدعوة إلى الطاعة والاستسلام إذا كان الاتصال بالحكام ابتلاء ؟ ومن يكن سببا في البلاء لا بد أن حاله على غير ما يدعو إليه الإسلام ، وبخلاف ما يستريح إليه المؤمن . بل أن أحمد بن حنبل يرى أن تكريم المتوكل له يجعله في غم ، ففي رواية أن عم أحمد قال له : لو دخلت على الخليفة ، فإنك تكرم عليه ؟ فقال : إنما غمّي من كرامتي عليه . ونرى الإمام أحمد يصرف همّه إلى ما أحاطه به المتوكل من منح وعطايا ، ويصبح شغله الشاغل أن يمنع أهله وعمّه - الذي يرافقه دوما - من أخذها ، ويلومهم ويعظهم في كلام طويل . فيحتجّون عليه بالحديث : « ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف ؛ فخذه » . وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان . ويقول : وما هذا وذاك سواء . ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور ؛ لم أبال . فكيف يقرّ الظلم والجور ، وتصبح الطاعة من صفات المؤمن ؟ ورغم أن أحمد حصر سبب رفضه وابتعاده عن الحاكم المتوكل بالناحية المالية ، فإنه لم يتمكن أن يعزلها عن أسس وحقيقة الحكم القائم . وخلاصة الأمر ، أن الإمام أحمد يدعو إلى السمع والطاعة على الطريقة التي مرّت بنا متأثرا بدعاة السلاطين وسدنة الملوك الذين دسّوا في الأثر ما ليس له علاقة بمبادئ الإسلام وعدالة السنّة ، ويعارض دعوته بسلوكه هذا الذي تقتضيه بدائه العقول ، فضلا عن تعاليم الإسلام . ثم لا يتجاوز دائرة السلبية وضيق المجال الذي يتصرّف فيه إلى رحاب المسؤولية الدينية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى السلطان الجائر باعترافه هو ، وليس هناك ما يمنع من خشية عليه شخصية أو عداء من جانب المتوكل يمكن أن يؤدي به

هامش
( 1 ) البداية والنهاية 10 / 339 . والمناقب لابن الجوزي 369 .
( 2 ) البداية والنهاية .