ففرّق بين الخلق والأمر . فقال : الأمر مخلوق ؟ فقال أحمد : يا سبحان اللّه ، أمخلوق يخلق مخلوقا ؟ ! قال إسحاق : وعمن تحكي أنه غير مخلوق ؟ قال أحمد : جعفر بن محمد الصادق قال : ليس بخالق ولا مخلوق . فسكت إسحاق « 1 » . وهذا يدلنا على شدة التكتّم في المسألة ، وعدم الخوض في شيء من ذلك ، لأنه يؤدي إلى مخالفة رأي السلطة . وهذا الرجل أي إسحاق هو من رجال الدولة يسأل مسترشدا أو يطلب ستر ذلك ، لأن إظهاره يجرّه إلى نكال المؤاخذة . ومهما يكن من أمر ، فقد سكت إسحاق مقتنعا بظاهر القول ودلالة اللفظ . والغرض أن المسألة هي من المسائل العلميّة الهامة ، وهي على جانب كبير من الخطر ، فلم يكن هناك مجال لعرض الآراء واستماع الحجج وإقامة البرهان من كلا الطرفين ، وبهذا أصبح الأمر فوضى ، فقد استساغ المعتزلة حمل خصومهم على الاعتقاد بالقوة ، ولهذا باءت سياستهم بالخيبة والخذلان ، وانتصرت عليهم قوى العامة التي آثرت التمسك بالسنن والآثار ، وترك الخوض في علم الكلام ، وتحكيم العقل . وقامت هناك عاطفة دينية تدعوا إلى صيانة كتاب اللّه عن الطعن فيه ، أو عدم نزوله . كما حرّفوا مدلول المسألة . وفي مواجهة المشكلة ، كان أحمد يرى أن الخوض في قضية خلق القرآن لم تكن مطروقة وليست من السنة ، حتى أنه كان يطالب مناظريه بشيء من السنة فيما
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 186
مساهمون: اسد حيدر
ص١٨٦
بذلك ، ثم قال لأحمد : أسألك عن القرآن مسألة مسترشد لا مسألة امتحان ، وليكن ذلك عندك مستورا ، ما تقول في القرآن ؟ قال أحمد : القرآن كلام اللّه غير مخلوق .
قال إسحاق : من أين قلت : غير مخلوق ؟
فأجاب أحمد : إن اللّه عز وجل يقول :
أَلا لَه الْخَلْق والْأَمْرُ
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، مناقب أحمد ص 359 .