يدعونه إليه . ولا ننكر أن دافع الحرص على قدسية النص كان وراء موقف أحمد وإجاباته ، غير أن الإمام أحمد بالغ في انتهاج النصيّة والاعتماد على السلف إلى حدّ ألغى فيه فرص التحاور وإمكانية المناظرة ، وأدى به إصراره إلى تحاشي الرأي كليا ، حتى لكأنه حاول أن يجعل نفسه بعيدا عن الأحداث ولا يقرّ بتحولات الظروف وتطورات الوقائع التي وضع الاجتهاد لمعالجتها وهدي الأمة بالاستنباط من الأصول ، وإرشادها باستخراج الأحكام من النصوص ، حتى يجد المسلمون في كتاب اللّه وسنّة نبيّه مصدرا يسع كل ما يجدّ من أحداث ، وينطوي على كل ما يقع من الوقائع .
لقد غلب على الإمام أحمد التقيّد بالنص والاتباع والتقليد ، ولم يدع مجالا للرأي ، وكان يتحرّى المسائل على ما سمعه وروي له ، ويحذر من إجالة الرأي أو التقدير ، ولا يجيب إلا في مسألة وقعت . فإن كان احتمالا أو توقّعا امتنع ، ولا يحفل إن كان ذلك على أشباه الوقائع القريبة ، أو بعيدا عنها .
وعلى يديه وضعت مبادئ ما عرف عن ابن تيمية وابن قيّم الجوزية من تعنّت وتزمّت . ويثير قولنا هذا - السلفية والوهابية - ولا شك ، لأنهم أخذوا ما رآه الإمام أحمد وقاية وتحصنا . وجعلوه أساسا لمنطقهم القائم على الإفهام بالابتداع ، واستسهال إطلاق الكفر على غيرهم ، فيما تركوا الكثير من أقوال الإمام أحمد التي تأتي مرادفة للنصوص التي احتوت أصول أفكارهم ، منها : أن الرجل لا يخرجه من الإسلام إلا الشرك العظيم ، أو ردّ فريضة جاحدا لها فيما أخذوا معتمدا لهم وأصلا قوله : ( فمن قال مخلوق فهو كافر باللّه العظيم ، ومن لم يكفّره فهو كافر ) فاستسهلوا تكفير غيرهم . ومنهجه في غلق أبواب النقاش توقّيا وحذرا بقوله : ( ولا يقال لم ولا كيف ) لأن الأمور التي تبحث العقول عن حقيقتها في ظل ظروف المحنة يراها ليست من السنن ، والكلام فيها مكروه ، بل منهي عنه : ( لا يكون صاحبه - وإن أصاب بكلامه السنّة - من أهل السنة حتى يدع الجدال ويسلّم ويؤمن بالآثار ) فجعلوا ذلك مسوّغا لجمودهم وانغلاقهم .
وخلاصة القول : إنه تمسّك بالأثر دون تمحيص ، واعتمد على السلف ، وحكم بأن من يخالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها ؛ فهو مبتدع خارج
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 187
مساهمون: اسد حيدر
ص١٨٧