عن الجماعة ، زائل عن منهج السنة . واتجه هذا الاتجاه في حياته ، وأخذ به ، فتمسّك بحرفية النص وظاهره ، ولا يسمح لنفسه تخريج أو تفسير أو جدل ينم عن تصد للاجتهاد ، أو تصدّر للإفتاء ، ولا يتعدّى الأخذ بالأثر والجمود على النصوص والعمل بظاهرها . وقد نسب إليه ذلك في شعر وهو قوله :
يا طالب العلم صارم كل بطّال * وكل غاد إلى الأهواء ميّال
وأعمل بعلمك سرّا أو علانية * ينفعك يوما على حال من الحال
ولا تميلن يا هذا إلى بدع * تضل أصحابها بالقيل والقال
خذ ما أتاك به ما جاء من أثر * شبها بشبه وأمثالا بأمثال
إلا فكن أثريا خالصا فهما * تعش حميدا ، ودع آراء ضلّال
وقد اتجه إلى الحديث ، فروي أنه كان يحفظ ألف ألف حديث ، ويأخذ بالضعيف منها ويعلم به إذا لم يكن ما يعارضه ، وأصبحت له خبرة بالحديث ، وسعة اطلاع جعلت له منزلة بين المحدثين . وإذا صح ما كان يحفظه ، فإنّا نميل إلى أن تكوينه النفسي قد طغت عليه ملكة الحفظ ، وآنس في نفسه قوتها دون غيرها ؟
وساعدت على ذلك اعتبارات الفترة ونتائج المحنة ، ولذلك لم يكن له في حياته مدرسة فقهية ، حتى أن ابن عبد البر لم يجعله مع مالك والشافعي وأبي حنيفة في كتابه ( الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ) وأن عنوان الكتاب ينطوي على هذا القصد ، ولا بد أن المالكية على هذا الرأي جميعهم ، فإن القاضي عيّاض قال عنه : إنه دون الإمامة في الفقه ، وجودة النظر في مأخذه .
وقد مرّ بنا ما ذا فعل الحنابلة بابن جرير الطبري ، فهو لم يعدّ مذهبه في الخلاف بين الفقهاء وقال : إنما هو رجل حديث . وعلى هذا الرأي غيره من الشافعية .
ومن تتبّع سيرة الإمام أحمد ، يترجّح لدينا أنه لم يقصد إلى تأسيس مذهب خاص به ، ولم يستجب إلى إغراءات السلطان . ولكن تلامذته قد أفرغوا تعاليمه وأقواله بعد موته في قوالب محدودة هي قواعد ومبادئ لفقه ينسب إلى الإمام أحمد ، فتألفت جماعة فقهية كان رجالها أصحابه من ذوي الإحاطة ، فكان نشوء المذهب الحنبلي . كما أن المسند كان من جمع ابنه وأصحابه . ويعتقد أحمد أن منحاه في التقيّد بالحرفية والظاهر هو المنهج الأقوم والطريقة المثلى ، ويردّ بها على اتجاهات