الكلام ، وبيان المراد من الكلام النفساني وتعلقه بالذات ، وقد تناولتها الأقلام قديما وحديثا ، وربما وقع وهم من بعض من تعرّض لهذه المسألة تاريخيا فسار وراء ظواهر الأقوال ، وعبّر عن الخلق بالمعنى اللغوي وهو الكذب ، فيقال إنه مخلوق أي مكذوب .
وكان الخليل بن أحمد يمنع أن يوصف الكلام بالمخلوق ، ويقول : إن الكلام متى أطلق عليه الخلق فالقصد الكذب ، ولهذا يقال : كلام خلقه فلان أي تقوّله . وكان ذلك من رأي الشيعة كما تقدم في أول الكتاب .
وقد ورد في كثير من أقوال العرب : اختلق كذا أي كذب فيه . وسئل بعض الفقهاء في المحنة فقال : أصفه بأنه محدث ، ولا أقول إنه مخلوق لقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَث
فمعنى أنه مخلوق وهو غير منزل . وبهذا أخذ العوام في إثارة البغضاء وإيقاد نار الفتنة ونشر الدعاية ضد المعتزلة بأنهم يذهبون إلى خلق القرآن أي إلى عدم كونه منزلا من اللّه تعالى ، واتسعت شقة الخلاف ، وحدث في صفوف الأمة الانقسام . وكان الإمام أحمد قد امتحن وثبت ، فاجتاز المحنة عندما اعتلى الحكم المتوكل العباسي ، فكان انتصارا لأحمد ولمن اتصل به ، وبخروجه باتت المحنة تشمل العامة ، فاحتفلت بالانتصار بعواطف هيّاجة ونقمة عارمة طافت على سطحها وركبت موجها وجوه تضررت مصالحها وتضاءلت مكانتها ، فاندفعت بكل ما أوتيت من قدرات إلى تمجيد المتوكل وتعظيمه ، واتبعهم على ذلك بإخلاص أخلافهم .
قال ابن الجوزي : أطفأ المتوكل نيران البدعة ، وأوقد مصابيح السنّة ، وقد قال من سبقوه : الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق قاتل أهل الردّة حتى استجابوا له ، وعمر بن العزيز ردّ مظالم بني أمية ، والمتوكل محا البدع وأظهر السنّة . كما خلقوا له مناقب وأطيافا ، ورفعوا شعار العدالة باسمه وهو أظلم خليفة من بني العباس ، فأسدلوا على ظلمه ستار المدح الزائف ، وجعلوا سيئاته حسنات ، وأخذ القصّاصون بنشر الأطياف بحقه حيا وميتا .
أما الإمام أحمد ، فإنه أصبح إمام السنّة وبطل الإسلام ، وأنه ما قام أحد بأمر الإسلام كما قام به أحمد .
وقالوا : أحمد بن حنبل إمام ، ومن لا يرضى بإمامته فهو مبتدع ضال .