أداتها في الإساءة إلى علم الإمام جعفر بن محمد الصادق عندما كلفه المنصور بأن يحضّر من المسائل ما يتوهّمه صعبا على الإمام الصادق . وكان حقد المنصور على الإمام قد سوّغ له أن يتوسل بأمر ليس للإمام الصادق منازع فيه أو صنو . ونعلم أن لقاء أبي حنيفة هذا الذي تم بإشراف المنصور ، قد فتح لأبي حنيفة مرحلة جديدة في علمه وسير حياته . فكان لا يدع فرصة تقرّبه من الإمام إلا استغلها خاصة في الموسم ، وليس بخاف أن الإمام الصادق كان لا يقرّب أحدا إلا أن يكون ذا نفع ، حتى أنه أبعد عنه المتقربين إلى الحكام وحرّم الولاية لهم ، لأنه عليه السّلام كان يرى : « أن ولاية الجائر دروس الحق كله ، وإحياء الباطل كله ، وإظهار الظلم والجور » . ومما ورد عنه أيضا : « العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء » . ودخل عليه عذافر فقال عليه السّلام : « بلغني أنك تعامل أبا أيوب والربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ » ونهى يونس بن يعقوب عن معاونتهم ، حتى على بناء المساجد « 1 » . وإذا نظرنا إلى الفترة التي برز فيها أبو يوسف ، لم نجد من أسباب للبعد عن مواقف أبي حنيفة والتحوّل عن نهجه تحت ظروف الخوف أو الإكراه ، وهي فترة خطيرة الأثر في حياة المسلمين ، إذ على يديه أرسيت قاعدة المذهب الرسمي للدولة ، وبفعل منصبه كقاضي للقضاة اقترنت بشكل جذري حركة المذاهب بأغراض السياسة ومشيئة الحكام . وليس هناك فارق زمني كبير يبرّر ما حدث من تفاوت بين سيرة وسلوك رئيس المذهب الذي تعرّض للتعذيب والقتل على يد الحكام ، وبين أبرز تلامذته الذي انضم إلى الحكّام ، فكان واحدا منهم . وإذا تغيّر الحاكم العباسي بعد المنصور ، فيأتي الهادي ، ثم الرشيد ، فإن أسس السياسة وأغراضها واحدة ، وبإزائها نرى مسيرة الأئمة من أهل البيت ثابتة وراسخة ، فبعد وفاة الإمام الصادق عليه السّلام قام مقامه في الإمامة ابنه العبد الصالح « 2 » الإمام موسى بن جعفر الكاظم ، الذي عانى من أهوال بني العباس وظلمهم الأمرين حتى استشهد .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 161
مساهمون: اسد حيدر
ص١٦١
هامش
( 1 ) للمزيد راجع الجزء الثاني من الكتاب .
( 2 ) كان الإمام موسى يعرف بالعبد الصالح لكثرة عبادته .