والحاصل ، إن مذهب أبي حنيفة لم يكن هو مجموع أقواله وآرائه ، قد رأينا أصحابه ينفردون بأقوالهم . ولكن حاول الحنفية جعل جميع الأقوال منسوبة إليه لأنها على قواعده وأصوله . يقول ابن عابدين : ( إن ما خالف فيه الأصحاب إمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه ، إذا رجّحه المشايخ المعتبرون . وكذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغيير الزمان ، أو للضرورة ، أو نحو ذلك ، لا يخرج عن مذهبه أيضا ، لأن ما رجّحوه لترجيح دليله عندهم مأذون فيه من جهة الإمام . وكذا ما بنوه عليه من تغيير الزمان والضرورة ، باعتبار أنه لو كان حيا لقال بما قالوه ، لأن ما قالوه إنما هو مبني على قواعده أيضا ، فهو مقتضى مذهبه . . . . ) الخ « 1 » . لقد ابتليت الأمة بحكّام أسرفوا في البذخ والتمتع من الدنيا ، كما أسرفوا في الظلم والتعدّي على الرعية . وقد قام كل من أهل البيت بما يجب عليه في نصرة العدل ومحاربة الظلم ، وبذلوا أنفسهم لتحقيق ما دعا إليه الإسلام بما يكفل للأمة السعادة ، لذلك كانوا طعمة لسيوف الظالمين ، لأنهم كانوا حربا على الطغاة والجبارين ، ولم يركنوا إلى الظلمة ، ولم يتعاونوا معهم امتثالا لأمره تعالى :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 160
مساهمون: اسد حيدر
ص١٦٠
ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِين ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ
وإذ رأينا اتصال أبي حنيفة بأهل البيت وميله السياسي إلى حركة زيد الشهيد ، واعترافه بأن الإمام الصادق أفقه الناس ، وإقباله على الأخذ عنه ، فإن رفض أبي حنيفة العمل للحكام قد يكون من نتائج تمسّكه بنهج أهل البيت في التباين مع الظالمين وعدم الدخول فيما هم فيه .
ولئن نشأ أبو حنيفة في أجواء مغرية وظروف مواتية ، فإن ما عاناه كان شاقا وعسيرا ، إذ كان عليه أن يوفق بين وجوده وسط تلك الأجواء ، وبين اعتقاداته وقناعاته . واكتشف أن السياسة لها نهجها الثابت في معاداة أهل البيت بالرغم من تغيّر الرجال وما تبعثه القربى من احتمالات بعد أن جاء بنو العباس إلى الحكم تحت ستار الرضى من آل محمد ، وهم أقرب نسبا وأولى بالبر ، فرأى كيف تزهق الأرواح وتداس الكرامات وترتكب المجازر بحق آل البيت . ثم وقع عليه اختيار السلطة في أن يكون
هامش
( 1 ) ابن عابدين ، رسم المفتي ص 25 .