للشيعة بأمور هم منها براء . فشب في ظل مذهب أبي يوسف أناس تابعوه على الارتباط بمثل هؤلاء الخلفاء وإرضائهم . ومع كل ما هم فيه من نفوذ وجاه ، فإنهم لم يأمنوا غدر الخلفاء ، ويبقون كبقية الرعية معرّضين لنزول الأذى بهم ، فحتى أبو يوسف نفسه يصب الماء ويتخبّط توقعا لكل مكروه عندما دعاه الرشيد في إحدى الليالي « 1 » . ولننظر ما ذا كان يريد الرشيد من أبي يوسف عندما جاءه هرثمة بن أعين وعلى لسان أبي يوسف : ( فقلت : تأذن لي أصب عليّ ماء وأتحنّط ، فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني ، وإن رزق اللّه العافية فلن يضرّ . فأذن لي ، فدخلت فلبست ثيابا جددا ، وتطيّبت بما أمكن من الطيب ، ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين الرشيد ، فإذا مسرور واقف ، فقال له هرثمة : قد جئت به ؟ فقلت لمسرور : يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وميلي ، وهذا وقت ضيق ، فتدري لم يطلبني أمير المؤمنين ؟ قال : لا . قلت : فمن عنده ؟ قال عيسى بن جعفر . قلت : ومن ؟ قال : ما عنده ثالث . قال : مرّ ، وإذا صرت إلى الصحن فإنه في الرواق وهو ذاك جالس ، فحرّك رجلك بالأرض ، فإنه سيسألك ، فقل : أنا . فجئت ففعلت ، فقال من هذا ؟ قلت : يعقوب . قال : أدخل . فدخلت ، فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر ، فسلّمت فردّ عليّ السلام ، وقال : أظننا روّعناك . قلت : إي واللّه وكذلك من خلفي . قال : أجلس . فجلست حتى سكن روعي ، ثم التفت إليّ فقال : يا يعقوب ، تدري لم دعوتك ؟ قلت : لا . قال : دعوتك لأشهدك على هذا ، إن عنده جارية ، سألته أن يهبها لي فامتنع ، وسألته أن يبيعها فأبى ، واللّه لئن لم يفعل لأقتلنّه . قال : فالتفت إلى عيسى ، وقلت : وما بلغ اللّه بجارية تمنعها أمير المؤمنين ، وتنزل نفسك هذه المنزلة ؟ قال فقال لي : عجلت عليّ في القول قبل أن تعرف ما عندي ؟ قلت : وما في هذا من الجواب ؟ قال : إن عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهلها . فالتفت إليّ الرشيد فقال : هل له من ذلك مخرج ؟ قلت : نعم ! قال : وما هو ؟ قلت يهب لك نصفها ، ويبيعك نصفها ، فتكون لم تبع ولم تهب . قال عيسى : ويجوز ذلك ؟ قلت : نعم ! قال فأشهد أني قد وهبت له نصفها وبعته النصف الباقي بمائة ألف دينار . فقال : الجارية . فأتي بالجارية وبالمال ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 164
مساهمون: اسد حيدر
ص١٦٤
هامش
( 1 ) تاريخ الخطيب ج 14 ص 250 . ووفيات الأعيان ج 5 ص 247 .