إليه أبو يوسف : كان أبو حنيفة حسن الفراسة ، فقال لداود الطائي : أنت رجل تتخلى للعبادة . وقال لأبي يوسف : تميل إلى الدنيا . ومحمد بن صبيح بن السماك - الذي كان يعظ الرشيد - ينظر إلى موقع أبي يوسف في السلطان ومكانته فيقول : لا أقول إن أبا يوسف مجنون ، ولو قلت ذاك لم يقبل مني ، ولكنه رجل صارع الدنيا فصرعته . ولكن شخصية أبي يوسف أثّرت في النظر إلى المذهب الحنفي أو إلى فقه أبي حنيفة نفسه من ناحية ، كما أن روح اتباع الحكام وسيرة الخضوع للسلطة وخلفائها المتجبّرين ، عزلت أبا يوسف عن أبي حنيفة وأصحابه الآخرين ، لكي يكون متميزا عن مواقف إمامه التي ذكرناها في الابتعاد عن الحكّام والتعامل معهم بحذر . أو أنها ظلت شيئا من سيرة أبي حنيفة لا تلزم أصحابه ، فيما ظل المذهب في أصوله من اختصاصه وهو في السلطان ، وأصبح جزءا من الحكم حتى قيل : وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عاما وهو لا يعدّ فقيها ، ولا يجعل قاضيا ، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة ، ويحفظ الشروط في مقدار سنة أو سنتين ، حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال ، وبالحري ألّا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان « 1 » . والاتجاه الأول يمثله عبد اللّه بن المبارك الذي كان من علمه ما أثّر كثيرا على منزلة أبي حنيفة ، وراح يطعن فيه . غير أن أصحاب المذهب عمدوا إلى وضع أقوال مخالفة تماما لما اشتهر عن ابن المبارك ، حتى تجدها في ترجمة أبي حنيفة في تاريخ بغداد ، أو الانتقاء متناقضة متباينة . فعن عبد الرزاق بن عمر قال : كنت عند عبد اللّه بن المبارك ، فجاءه رجل فسأله عن مسألة ، فأفتاه فيها . فقال له : قد سألت أبا يوسف فخالفك . فقال له : إن كنت صليت خلف أبي يوسف صلوات تحفظها فأعدها . كما يروى عن ابن المبارك أنه سئل : أيّما أصدق أبو يوسف أو محمد ؟ قال : لا تقل أيهما أصدق ، قل أيهما أكذب ؟ !
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 158
مساهمون: اسد حيدر
ص١٥٨
هامش
( 1 ) الحيوان للجاحظ ج 1 ص 87 .