فما هي العوامل التي ساعدته ، وأدّت إلى هذا الاشتهار ؟ فإنّا إذا لحظنا أبا حنيفة ذاته وجدنا أنه لم يكن له امتياز على كثير من العلماء المبرزين من أقرانه في عصره ، نعم كان مشهورا بالقياس ، وهذا ما أوجب نقمة كثير من العلماء عليه .
أما تفوقه العلمي وشهرته ، وبقاء مذهبه وانتشاره في الأقطار الإسلامية ، فيرجع إلى شهرة أبي يوسف ، فهو تلميذ أبي حنيفة وقد نال أبو يوسف مودّة الرشيد ، فكان يحبّه حبّا شديدا ويقول : لو جاز أن أدخلك في نسبي لفعلت . فكان لأبي يوسف المنزلة والكلمة النافذة في الدولة .
ولولا أبو يوسف لما ذكر أبو حنيفة ، ولكن منزلة أبي يوسف في الدولة ، وتوليته رئاسة القضاء جعلت ذكر أبي حنيفة ينتشر ، وقد التف حوله جميع المنتمين لمدرسة أبي حنيفة وتلامذتهم ، فكان نشاطهم محسوسا ، ونالت أقوالهم الصبغة الرسمية . ثم عمدوا لنشر مذهب أبي حنيفة ، فكانوا لا يقرّبون إلّا من كان على طريقتهم في الاجتهاد والفتيا ، وهم على طريقة أبي حنيفة في الاستنباط .
ويمكننا أن نعتبر تمكّن أبي يوسف وسلطته التشريعية نقطة بداية وضع أسس المذهب ، فتطورت في المستقبل ، إذ وجدت الظروف والإمكانيات اللازمة .
وعلى هذا فقط نشط أصحاب أبي حنيفة بتوليتهم القضاء ، ونشر أقوال أبي حنيفة وآرائه ، وكانوا يسيرون على قواعد مذهبية في الحديث ، ومنهم المجتهدون ، وأكثرهم ينفرد بقول ، ويذهب إلى رأي غير رأي أبي حنيفة .
وقد اعتبروا استنباطهم للمسائل التي لم يكن لأبي حنيفة قول فيها هو رأيه وقوله ، كما هو واضح لمن تتبع موارد الاستنباط عندهم ، فيرون عن أبي حنيفة أنه قال لأبي يوسف : ويحكم ، كم تكذبون عليّ في هذه الكتب ما لم أقل . وكيفما كان فقد تكوّن المذهب بجهود أصحابه الذين ينتمون لمدرسته ، ويعرفون بالانتساب إليه ، وكان عددهم ستة وثلاثين رجلا ، وفي طليعتهم أبو يوسف ، فهو الذي تزعّم هذه المجموعة ، وساعدته الظروف بأن يتولى منصب رئاسة قضاة الدولة في إبان قوتها ، فقرّب أصحابه وتقرّب الناس إليهم حبّا لما في أيديهم من الدنيا ، فوسّعوا دائرة المذهب ، ونشروا الأحكام باسم أبي حنيفة ، وتوارث تلامذتهم نصرة المبدء ونشر المذهب حتى جاء عصر التطاحن والتكالب على الدنيا ، فكان هناك تعصب أعمى ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 155
مساهمون: اسد حيدر
ص١٥٥