وقد اختلفوا بجواز التحايل فيها ، وصوّروا لذلك صورا منها : إذا ترك البائع قطعة أرض على ملكه بين العقار المبيع والشفيع حتى لا يستطيع هذا الأخير الادعاء بالجوار . أو أن يهبه تلك القطعة الفاصلة لتحول دون الشفعة بسبب الهبة . وقال أبو حنيفة والشافعي بجواز الاحتيال في الشفعة لإسقاطها ، لأنها من الحقوق غير المستحبّة . وقال بذلك مالك ، وأحمد ، وحجتهم أن الحيلة أمر مستنبط من الكتاب والسنّة ؟ ! ويقول فريق آخر : بعدم جواز الحيلة في سبيل إسقاط الشفعة ، لأن الحيلة إنما هي رخصة لضعفاء المؤمنين ، ولأن التحيّل لإبطال الشفعة شرّعت لدفع الضرر . فلو شرّع التحيّل لإبطالها ، لكان عودا على مقصود الشريعة بالإبطال ، ويلحق الضرر الذي قصد إبطاله « 1 » . واتفق علماء المسلمين على ثبوت الشفعة للشريك ، أما الشفعة بالجوار فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال : فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار ولو مع تمييز الطريق والحقوق . وأهل المدينة يسقطونها ولو مع الاشتراك . وأهل البصرة يثبتونها إذا وقع الاشتراك في حق من حقوق الأملاك . وعلى أي حال ، فإن هذه المسألة هي من المسائل الهامة التي اشتهرت بها مدرسة أبي حنيفة ، وقد ضاعف ذلك تفاقم النقمة عليها وتوجيه الانتقاد إليها ، وقد نسبوا إلى أبي حنيفة أنه وضع كتابا في الحيل فهم يستمدّون منه ويأخذون عنه ، ولا بد من التحقق من ذلك وثبوته ، وربما أنهم أخذوا من فتاوى أبي حنيفة وقواعده وزادوا ، فسوّغوا استعمال الحيل بشتى أنواعها ، كما هو الشأن في جميع أبواب الفقه المنسوب لأبي حنيفة ، فإسناد الفتوى له إنما هو استنتاج يكشف عن رأيه ، بمعنى أنه لو عاش أبو حنيفة لكان هو رأيه ، أو على قاعدة الترخص منه بقوله : إذا صح الحديث فهو مذهبي .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 150
مساهمون: اسد حيدر
ص١٥٠
هامش
( 1 ) أعلام الموقعين ج 3 ص 229 . والميزان للشعراني ج 2 ص 87 .