ويظهر لنا تاريخ حياة أبي حنيفة ، أنه كان من الشخصيات المرموقة في عصره ، وكانت له حلقة درس يرتادها جماعة وفي طليعتهم تلميذه الأول أبو يوسف .
وأصبحوا من بعده علماء ولهم أراؤهم الخاصة وأقوالهم المنفردة عن قوله ، ولأن أبا حنيفة قد عرف بالقياس ؛ فقد نقم عليه علماء عصره ، وشدّدوا عليه النكير . فلم يخضع لواحد منهم إلّا للإمام الصادق عليه السّلام كما يستدل من قوله المشهور : لولا السنتان لهلك النعمان . والمراد بالسنتين هما اللتان قضاهما في المدينة مع الإمام الصادق عليه السّلام في آخر أيامه ، وأخذ عنه العلم ، وقد نهاه عن استعمال القياس وقال له : « إنه أول من قاس إبليس » في قصة طويلة . ومما يدل من بعض آثاره أنه ترك القياس ، إلّا أن مدرسته ظلّت تأخذ به ، وكما اشتهرت مدرسة أبي حنيفة بالقياس ، فقد اشتهرت باستعمال الحيل الشرعية ، وقد نسبوا له كتاب الحيل الشرعية . ومن المستحسن الإشارة لذلك بموجز من البيان لتظهر لنا حقيقة لها أهميتها في تاريخ حياة الإمام أبي حنيفة . فهل كان أبو حنيفة يستعمل الحيل ، وأنه وضع في ذلك كتابا تداوله الناس ، أم أنها نسبة لا أصل لها ؟ .
الحيلة الشرعية
: الحيلة مأخوذة من الاحتيال ، وهي الحذق وجودة النظر ، والقدرة على التصرّف .
وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث ، وقد تستعمل بما فيه حكمة ، ولقد غلب في العرف اللغوي إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى حصول الغرض ، بحيث لا يتفطّن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة ، وتنصرف أيضا إلى الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى الغرض الممنوع منه شرعا أو عقلا ، أو عادة . ويقصد بها الحيل التي تستحل بها المحارم ، وأطلقها الفقهاء على المخارج من المضايق بوجه شرعي لمن ابتلي بحادثة دينية . والحيلة ترتبط بالرأي ، وحيث كانت مدرسة أبي حنيفة معروفة بالرأي ، فقد عرفت هذه المدرسة بالحيل الشرعية . وقد اشتهر عن أحمد بن حنبل أنه قال : هذه الحيل التي وضعها أبو حنيفة وأصحابه ، عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها ، أتوا إلى الذي قيل إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلّوه .
ويظهر من كلمة الإمام أحمد هذه أنهم - أي أصحاب أبي حنيفة - استعملوا الحيل غير الجائزة والممنوعة شرعا ، وقد اهتم المذهب الحنفي من بين المذاهب