تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣

مضطرب حمل بعض الاتباع على أن يضعوا الأخبار ، ويختلفوا الحكايات . بل وضعوا كتبا مطولة لإعلاء شأنه . مما أدى بالباحث عنه أن يجد الصعوبة في بحثه عن الحقيقة الكامنة وراء أكداس من الدعايات . فإذا أردنا الوقوف على حقيقة ما يدّعى له من سعة العلم ، وأن الناس عيال عليه ، وإنه وضع سبعين ألف مسألة في الفقه ، فإنّا نجد أقرانه ومعاصريه لم يعرفوا عنه ذلك ، كما أن تلامذته والمنتسبين لمدرسته قد خالفوه في كثير من الآراء ، وردّوا الكثير من أقواله . وأقوالهم في جميع الأبواب الفقهية إلى جنب أقواله . فمرة يتّفقون معه ، ومرة يخالفونه . وقد بيّنا منزلته في الحديث ، وما قالوه عنه : بأنه لم يكن صاحب حديث بل قيّاسا . وأنه لم يعرف إلا سبعة أحاديث . وقد وجدنا أكثر الرواة والمحدّثين لم يرووا عنه ، وضعّفه البخاري « 1 » وترك حديثه ، وكذلك بقية أصحاب الصحاح الستة . وقال يحيى بن معين : لم يكن أبو حنيفة صاحب حديث . وقد مرّت الأقوال في ذلك . ونحن لا نذهب لتأييدها ، لأنها كانت مصوغة بقالب التحامل عليه . لقد كان أبو حنيفة حريصا على طلب العلم ، عرف بقدرته على المناظرة وذكائه ونباهته ، وكان محمد يختلف إلى الإمام الصادق عليه السّلام ويسأله عن كثير من المسائل مع أدب واحترام ، ولا يخاطبه إلا بقوله : جعلت فداك يا ابن رسول اللّه . وقد روى أبو حنيفة عن الإمام الصادق . وكان الإمام الصادق ينهاه عن القياس ، ويشدّد الإنكار عليه ويقول : « بلغني أنك تقيس الدين برأيك ، لا تفعل فإن أول من قاس إبليس » . وقد علم الإمام الصادق صفات أبي حنيفة وقدراته ، فكان عليه السّلام يوجّه إليه المسائل التي تتفق مع ما عرف عن أبي حنيفة من الذكاء . قال له الإمام عليه السّلام : « يا أبا حنيفة ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي ؟ قال : يا ابن رسول اللّه ما أعلم فيه . فقال : أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية ، وهو ثني أبدا » « 2 » .

هامش
( 1 ) كان طعن البخاري في أبي حنيفة في كتابه الضعفاء لا يقل نقمة وسخطا عن منهج الخطيب البغدادي على قلة العبارة وموجز القول . وقد كان النسائي في كتابه الموسوم بالضعفاء والمتروكين أقل سخطا .
( 2 ) المصايد والمطارد لكشاجم ص 202 . ووفيات الأعيان ج 1 ص 212 . ومرآة الجنان ج 1 ص 305 .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 143 | اسد حيدر