إلى كثير من الأحاديث التي أوردوها ، والأقوال التي نقلوها عن الصحابة والتابعين وأتباعهم . واشتد النزاع وتحوّل إلى تعصّب قبلي وتحزّب إقليمي ، وأصبح من المحتّم على أصحاب الرأي وعلى العراقيين والكوفة بالأخص أن تردّ على تلك الهجمات ، وأن تنتصر لوطنها وآرائها .
وعلى هذا النحو استمر الوضع من تربّص كل فريق بالآخر ، فتنابزوا وتقابلوا بانتقاص البعض للبعض ، وعيّروا أهل الكوفة بالنبيذ ، وأهل المدينة بسماع الغناء .
واشتدّت عصبية كل قوم لبلدهم ، وكان للأدب قسط وافر في هذا الصراع في عصر أبي حنيفة وبعده .
قال عمار الكلبي يذم أهل الحديث :
إن الرواة على جهل بما حملوا * مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له * ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
ويقول بعضهم :
يحمل أسفارا له وما درى * إن كان ما فيها صوابا أو خطأ
إن سئلوا قالوا كذا روينا * ما ان كذبناه ولا اعتدينا
وقال بكر بن حماد قصيدة منها :
وكل شياطين العباد ضعيفة * وشيطان أصحاب الحديث مريد
وأثارت هذه القصيدة حميّة كثير من الشعراء المنتصرين لأهل الحديث ، فعارضوها بعدة قصائد كابن غياث عبد السلام بن يزيد إذ يقول :
تعرّضت يا بكر بن حمّاد حطة * بأمثالها في الناس شاب وليد
فذمّك هذا في المقال مذمّم * وذمّك هذا في الفعال حميد
وهي قصيدة طويلة « 1 » . ومنها قول أحمد بن عصفور يعارض ابن حمّاد :
هامش
( 1 ) جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 126 .