تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠

حنيفة : كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ؟ « 1 » . ولكن الأمر في المدينة غيره في العراق ، فقد كانت الصورة تظهر أبا حنيفة وهو يقود حركة القياس . فيروى عن الشافعي رحمه اللّه أنه قال : قيل لمالك بن أنس : هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال : نعم ، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته . لقد بلغ أبو حنيفة من حضور الذهن وتوقّد الذّكاء مستوى جعله يتغلب على منافسيه بطرقه وقياسه ، كابن أبي ليلى ، الذي كان اختلافه معه في المسائل مادة كاملة ضمها مصنف كامل . ومنها عندما اجتمع أبو حنيفة وابن أبي ليلى عند أبي جعفر المنصور فسأل ابن أبي ليلى أبا حنيفة عمن باع ثوبا وتبرأ من العيب ؟ فقال : إذا برأه فقد برئ . وقال ابن أبي ليلى : لا يبرأ حتى يضع يده على العيب . فلم يزل يدخل عليه أبو حنيفة حتى قال : لو أن امرأة [ وذكر ما يعني أنها من العباسيين ] باعت عبدا وعلى رأس ذكره برص ، أيجب عليها أن تضع يدها على رأس ذكره ؟ فقال ابن أبي ليلى : يجب عليها ذلك . فغضب المنصور عند ذلك وأهانه ، فظفر به أبو حنيفة . لقد كان أبو حنيفة محور دائرة الخلافات ، والهدف الذي يوجه إليه الطعن . وقد حمل العلماء على أهل الرأي حملة شعواء ، وأورد أهل الحديث روايات عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ذم الرأي ، منها : « إن اللّه لا ينزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعا ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى أناس جهّال يستفتون برأيهم فيضلّون ويضلّون » « 2 » . وحدثوا عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم ، يحرّمون به ما أحل اللّه ، ويحلّون به ما حرّم اللّه » « 3 » وأوردوا عن عمر بن الخطاب قوله : إياكم وأصحاب الرأي ، فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ؛ فقالوا بالرأي ، فأخلّوا وأضلّوا .

هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 14 ص 247 .
( 2 ) أخرجه الحافظ ابن عبد البر بطريق عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص .
( 3 ) أخرجه الحافظ ابن عبد البر بطريق عن ابن مالك الأشجعي .