تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨

ومع أن صحة هذا العهد موضع نظر ، إلا أنه من أكبر دعائم القول بقدم الرأي عند القائلين به ، رغم أن الطرف الآخر ينسب إلى عمر قولا يعارضه . وقال الشعبي : كان عبد اللّه لا يقنت ، ولو قنت عمر لقنت عبد اللّه « 1 » ويظهر من هذا أن عمر كان يعمل بالرأي ، وهو مؤسس هذه المدرسة ، وسار عبد اللّه بن مسعود على منهجه ، فكانت فتواه هي فتوى عمر بن الخطاب ، فالرأي متحد . أخذ أبو حنيفة العلم عن حمّاد بن سليمان ، وأخذ حمّاد عن إبراهيم النخعي ، وأخذ إبراهيم عن علقمة بن قيس ، وعلقمة هو تلميذ ابن مسعود ، فكان إبراهيم لا يعدل بقول عمر وابن مسعود ، وإذا اجتمعا كان قول عبد اللّه أعجب لأنه كان ألطف . ومن هذا اشتهرت مدرسة الرأي في العراق لأن عبد اللّه بن مسعود كان قد أقام في الكوفة مدة من الزمن ، وكان يفتي الناس ويحدّثهم . قال أبو عمر الشيباني : كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإذا قالها استقلّته الرعدة « 2 » . فإذا كان إبراهيم ألزم لأقوال ابن مسعود ، فأبو حنيفة كان يلازم أقوال إبراهيم وأقرانه ، ولا يجاوز إلا ما شاء اللّه ، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه ، دقيق النظر في وجوه التخريجات . وإذا أردت أن تعلم حقيقة ذلك ، فلخّص أقوال إبراهيم من كتاب الآثار لمحمد ، وجامع عبد الرزاق ، ومصنّف أبي بكر بن أبي شيبة ، ثم قايسه بمذهبه ؛ تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة ، وهو في تلك الموارد اليسيرة لا يخرج عمّا ذهب إليه فقهاء الكوفة « 3 » . ولقد أعلنت المدينة غضبها على أهل الرأي وبالأخص الكوفة والعراق بصورة عامة ، ومن شدّة الصراع وتفاقم الخلافات ، تحامل حملة الآثار على أهل العراق . فقالوا بعدم علمهم بالحديث ، الأمر الذي ألجأهم إلى التمسّك بالرأي والعمل بالقياس .

هامش
( 1 ) فجر الإسلام ص 240 ط 7 .
( 2 ) نفس المصدر السابق .
( 3 ) ولي اللّه دهلوي ، رسالة الإنصاف . ودائرة المعارف ، فريد وجدي ج 3 ص 206 .