تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

وقد صدرت عن مالك بن أنس ألفاظ تعبّر عن عمق التأثر ، فقد قيل عنه أنه قال : أنزلوهم - أي العراقيين - منزلة أهل الكتاب ، لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم ، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد « 1 » . ودخل عليه محمد بن الحسن الشيباني فسمعه يقول هذه المقالة ، ثم رفع رأسه فقال للشيباني : يا أبا عبد اللّه ، أكره أن تكون غيبة ، كذلك أدركت أصحابنا يقولون . وكان مالك إذا نظر إلى أصحاب الرأي من العراقيين يقرأ :

تَعْرِف فِي وُجُوه الَّذِين كَفَرُوا الْمُنْكَرَ

« 2 » . وكان يسمي الكوفة : دار الضرب . يعني أنها تضع الأحاديث وتخرجها كما تخرج دار الضرب الدراهم والدنانير . وقال عطاء لأبي حنيفة : من أين أنت ؟ قال : من أهل الكوفة . قال : أنت من أهل القرية الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ وإن صدور أمثال هذه الأقوال من رجل كمالك بن أنس - الشخصية الدينية والسياسية في آن واحد - لها أثرها ، وإن شيوع أشياء كهذه لها نتائجها الخطيرة التي تستلزم حشد الجهود وتعبئة القوى لردّ خطر ما ينجم من ورائها من تفاعلات . فكانت مقابلات حادة ومواجهات تتصف بالعنف والخروج عن قواعد المساجلات العلمية . وقد كانت شهرة أصحاب الرأي سريعة ، استطاعت أن تكون بإزاء مدرسة الحديث بتاريخها ومواقعها ، ولما كان أبو حنيفة ينتقي أصحابه ويختارهم فيتعاهدهم بالرعاية والعناية كاختياره لأبي يوسف ورعايته للآخرين ، لذا فقد تأثروا به غاية التأثّر ، وأصبحوا متفرغين لتطبيق منحى الرأي والدفاع عنه . كما كان أبو حنيفة يشجّع الجدل بين تلامذته ، ويتركهم يتبادلون الأقوال والحجج ، وقد يستغرق ذلك وقتا طويلا في جلسة واحدة وبإشراف أبي حنيفة . حتى نبغ تلامذته ، وكانوا من أعمدة القياس ، وأصبحت صورة حلقة أبي حنيفة في أذهان الناس تتكون من أجزاء بعضها يكمل بعضا ، حتى قال وكيع لرجل قال أخطأ أبو

هامش
( 1 ) ابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 157 .
( 2 ) ضحى الإسلام ج 2 ص 152 .