تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢

مرّت بها الأمة وروّع بها الناس ، لا تؤدي في مثل تلك الظروف التي يعيشها إلّا إلى الهلاك على يد الحكام ، لذلك سلك مع العباسيين مسلكا يجنّب أهل بيته وشيعته مخاطر سلطانهم . فلمّا اتخذ رأيه في عدم لبس السواد ذريعة من قبل الأعداء ، أتقاهم بما يزيل التهمة ويحفظ حياته ، فأخذ يلبس جبة سوداء . وروي أنه كان يلبس خفا أسودا مبطنا بسواد وفتق مرة ناحية منه وقال : « أما إن قطنه أسود » وأخرج منه قطن أسود ، ثم قال عليه السّلام : « بيّض قلبك وألبس ما شئت » « 1 » . أما إذا أضفنا الأقوال الأخرى للإمام الصادق ، فإن الصوفية لا يكتفون بالتأسيس عليها أحوالا لهم ومقامات ، بل إن ما نراه من أحداث طبيعية تحفل بها سيرة الأئمة الطاهرين من أهل البيت . يرون فيها كرامات لتعزيز أقوالهم بأصحابهم ، وادّعاء الأعمال الجليلة لهم . قال الإمام الصادق عليه السّلام : « من أدخل قلبه صافي حب اللّه شغله عمّا سواه » « 2 » . وهو قول من مصادر الصوفية لا يخرج عن مضامين مدرسة الإمام الصادق أو أقواله ، إلا أن ما يجعلونه أساسا للمقامات والأحوال عندهم ، وما يصرفون إليه كلام الإمام عليه السّلام يسيء كثيرا إلى الموقف الديني والفكري الذي اقتضته مصلحة الأمة ، والذي اختطّه الإمام الصادق ، وأطلقنا عليه « الدعوة الصامتة » ويظهر أن الصوفية تنسج على نزعتها وتحيك على هواها المقاصد والمعاني ، لأن واقع الإمام الصادق وحركته الدائبة ونشاطه المعطاء ، يفنّد الغرض الذي يختفي وراء القول بالتخلي أو الخمول . إذ لا يهدأ بحال في أذهان الشيعة قول الإمام الصادق : « كونوا لنا دعاة صامتين » واقتران الدعوة بالصمت يشير إلى منهج الصادق في الابتعاد عن مواجهة الحكام بما يحمي دماء الناس وأعراضهم ووجودهم ، فيما أوّلوا بعض أقواله عليه السّلام تأويلات اعتبروها أساسا لأوضاع قادتهم وهو : « عزّت السلامة حتى لقد خفي مطلبها ، فإن تك في شيء فيوشك أن تكون في الخمول ، فإن لم توجد فيه ففي التخلي ، وليس كالخمول ، فإن

هامش
( 1 ) علل الشرائع للشيخ الصدوق .
( 2 ) الكواكب الدرية .