تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
منهج الإمام في بلاغته وأفكاره ، وإنما هي من صفات المقالات الصوفية . فيروى على لسانه عليه السّلام : التصوف ثلاثة أحرف : الصاد صبر وصدق وصفاء ، والواو ودّ وودّ وودّ ، والفاء فرد وفقر وفناء . والزاوية الثانية التي ينظر منها ، هي زاوية المتخصصين وأصحاب التجربة المقرونة بالنظر ، كما هو الحال عند الرئيس أبي علي بن سينا في كتاب الإشارات الذي ينقل عنه ابن أبي الحديد . قال أبو علي في مقامات العارفين : العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر ، على حسب ما يختلف عندهم من دواعي العبر ، فربما استوى عند العارف القشف والترف ، بل ربما آثر القشف ، وكذلك ربما استوى عنده التفل والعطر ، بل ربما آثر التفل ، وذلك عندما يكون الهاجس بباله استحقار ما عدا الحق ، وربما صغا إلى الزينة ، وأحب من كل شيء عقيلته ، وكره الخداج والسقط ، وذلك عندما يعتبر عادته من صحبته الأحوال الطاهرة ، فهو يرتاد إليها في كل شيء ، لأنه مزية حظوة من العناية الأولى ، وأقرب إلى أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه ، وقد يختلف هذا في عارفين ، وقد يختلف في عارف بحسب وقتين . انتهى . وينقل الصوفية المتأخرون قول العارف باللّه المعروف بالباقي باللّه شيخ السادة النقشبندية في كتابه ( المثوى ) عن جعله تكنية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للإمام علي عليه السّلام بأبي تراب - وقصتها معروفة - أصلا يتفق مع خواطرهم ومقاصدهم ومعناه : أن التراب إشارة إلى وجود أهل التوحيد والفناء ، فيكون حاصل معنى أبي تراب : أنه عليه السّلام هو الأصل المقتدى به في هذا المعنى ، والمرجع لطائفة الفقراء أرباب الفناء الكمّل . ومن جهة أخرى يحملون معاني الأحاديث والأخبار النبوية في الإمام علي عليه السّلام على مقاصدهم وطبيعة نهجهم ، وهي أحاديث رواها وصحّحها كبار المحدثين من أهل السنّة ، وجاءت في مصنفات علمائهم كمسند الإمام أحمد ومنها : « يا علي أن اللّه قد زيّنك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحب إليه منها ، هي زينة الأبرار عند اللّه تعالى في الدنيا ، جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ، ولا ترزأ الدنيا منك شيئا . ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما ، فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذّب فيك » . وهي نبوءة كشفت عمّا سيقع من أمر ، وكيف سيكون الحال بين جنده ومحبيه