تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس والمثل . ولما أنكروا المحبة أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه ، ويدل على فساد هذا القول ، مضافا إلى ما ذكر ، إجماع الأمة على كون الحب للّه ولرسوله فرضا ، وما ورد في الآيات والأخبار والآثار من الأمر به والمدح عليه واتصاف الأنبياء والأولياء به ) . انتهى . قال الإمام الصادق عليه السّلام : « حب اللّه ، إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى اللّه ، والمحب أخلص الناس سرّا للّه ، وأصدقهم قولا ، وأوفاهم عهدا ، وأزكاهم عملا ، وأصفاهم ذكرا ، وأعبدهم نفسا ، تتباهى الملائكة عند مناجاته ، وتفتخر برؤيته ، وبه يعمر اللّه بلاده ، وبكرامته يكرم اللّه عباده ، ويعطيهم إذا سألوه بحقه ، ويدفع عنهم البلايا برحمته ، ولو علم الخلق ما محله عند اللّه ومنزلته لديه ، ما تقربوا إلى اللّه إلا بتراب قدميه » . وقوله عليه السّلام يعطينا صورة واضحة عن منهجه في الدعوة إلى التمسك بالدين ، والانصراف لمرضاة اللّه ، في وسط تلك المعتركات والمحن التي تشهدها الأمة على أيدي المتسلطين ، الذين يتخذون من دين اللّه ستارا لأغراضهم وأطماعهم ، فاختط لنفسه ولمريديه طريق الإخلاص للّه ، والتقرّب منه ، الذي يبعث في النفوس الطمأنينة . ويحيي الأمل بعد تلك النكبات والفواجع التي ألمّت بأهل البيت الكرام صلوات اللّه عليهم ، وامتدت إلى المؤمنين من أتباعهم . ويوضّح الإمام الصادق عليه السّلام أصول اتجاهه الروحي ، ويجعل شيعته ومريديه على معرفة وبيّنة من خصائص السلوك الذي يدعوهم إليه ، ودقائق المنهج الذي يحملهم عليه ، فيقول عليه السّلام : « نجوى العارفين تدور على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والحب . فالخوف فرع العلم ، والرجاء فرع اليقين ، والحب فرع المعرفة . فدليل الخوف الهرب ، ودليل الرجاء الطلب ، ودليل الحب إيثار المحبوب على ما سواه . فإذا تحقق العلم في الصدر خاف ، وإذا صح الخوف هرب ، وإذا هرب نجا ، وإذا أشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل ، وإذا تمكن من رؤية الفضل رجا ، وإذا وجد حلاوة الرجاء طلب ، وإذا وفّق للطلب وجد ، وإذا تجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة ، وإذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب على ما سواه ، وباشر أوامره واجتنب نواهيه ، واختارهما على كل شيء غيرهما ، فإذا استقام على