والعمل ، ولذلك الإخلاص نفذت بصيرته ، فصار يعرف الحق من غير عائق يعوقه ، وكان مع ذلك فيه ذكاء شديد ، وإحاطة واسعة وعلم غزير . . . الخ .
حضور بديهته :
وكان رضي اللّه عنه حاضر البديهة ، تجيئه إرسال المعاني في وقت الحاجة إليها من غير حبسة في الفكر ، ولا عقدة في اللسان ، وإن مناظراته الفقهية الكثيرة تكشف عن بديهة حاضرة ، وانظر إليه وأبو حنيفة يسأله في أربعين مسألة ، فيجيب عنها من غير تردد ولا تلكؤ ، مبينا اختلاف الفقهاء فيها ، وما يختار من أقوالهم ، وما يخالفهم جميعا فيه .
وإن مناظراته التي كان يلقم بها الزنادقة وغيرهم الحجة ، ما كانت ليستقيم فيها الحق لولا بديهة تسعفه بالحق في الوقت المناسب ولننقل لك مناظرة له في العدل بين الأزواج أثارها زنديق .
قال الزنديق : أخبرني عن قول اللّه تعالى :
فَانْكِحُوا ما طاب لَكُم مِن النِّساءِ مَثْنى وثُلاث ورُباع فَإِن خِفْتُم أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
[ النساء : 3 ] وقال في آخر السورة :
ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْن النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُم فَلا تَمِيلُوا كُل الْمَيْل
[ النساء : 129 ] .
قال الصادق : أما قوله تعالى :
فَإِن خِفْتُم أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
[ النساء : 3 ] فإنما عنى النفقة وقوله تعالى :
ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْن النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُم
[ النساء : 129 ] فإنما عني بها المودة ، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة .
وإن حضور البديهة من ألزم اللوازم لقادة الأفكار والأئمة المتبعين ، فلا توجد قيادة فكرية لعبي في البيان ولا توجد قيادة فكرية لمن عنده حبسة في المعاني .
جلده وصبره :
لقد كان أبو عبد اللّه الصادق ذا جلد وصبر وقوة نفس ، وضبط لها ، وإن الصابرين هم الذين يعلون على الأحداث ، ولا يزعجهم اضطراب الأمور عليهم ونيلهم بالأذى ، وكان الإمام الصادق صبورا قادرا على العمل المستمر الذي لا ينقطع ، فقد كان في دراسة دائمة .
وكان مع ذلك الصبر وضبط النفس عبدا شكورا ، وإنا نرى أن الصبر والشكر