جوادا ، فكان يعطي من يستحق العطاء ، وكان يأمر بعض اتباعه أن يمنع الخصومات بين الناس بتحمل ما يكون فيها من الخسائر .
وكان رضي اللّه عنه يقول : لا يتم المعروف إلا بثلاثة : بتعجيله وتصغيره وستره . ولهذا كان يسر العطاء في أكثر الأحيان ، وكان يفعل ما كان يفعله جده علي زين العابدين ، فكان إذا جاء الغلس يحمل جرابا فيه خبز ولحم ودراهم ، فيحمله على عاتقه ، ثم يذهب إلى ذوي الحاجة من أهل المدينة ويعطيهم ، وهم لا يعلمون من المعطي حتى مات ، وتكشف ما كان مستورا ، وظهرت الحاجة فيمن كان يعطيهم ، وجاء في حلية الأولياء : وكان جعفر بن محمد يعطي حتى لا يبقي لعياله شيئا .
وإن السخاء بالمال يدل على مقدار قوة الإحساس الاجتماعي ، وإن ستره يدل على مقدار قوة الوجدان الديني ، وملاحظته جانب اللّه وحده وليس ذلك بعجب ممن نشأ مثل نشأة الإمام الصادق .
حلمه وسماحه :
وفي صفحة 81 قال :
ولقد كان رضي اللّه عنه سمحا كريما لا يقابل الإساءة بمثلها ، بل يقابلها بالتي هي أحسن ، عملا بقوله تعالى :
ادْفَع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وبَيْنَه عَداوَةٌ كَأَنَّه وَلِيٌّ حَمِيم
[ فصلت : 34 ] .
وكان يقول : إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتم ، فإن كنت كما يقول القائل كانت عقوبة قد عجلت ، وإن كنت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها .
وكان رقيقا مع كل من يعامله ، من عشراء وخدم ، ويروى في ذلك أنه بعث غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج يبحث عنه ، فوجده نائما فجلس عند رأسه ، وأخذ يروح له حتى انتبه ، فقال : ما ذلك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا النهار .
على أن التسامح والرفق ليبلغ به أن يدعو اللّه بأن يغفر الإساءة لمن يسيء إليه ، ويروى في ذلك أنه كان إذا بلغه شتم له في غيبة يقوم ويتهيأ للصلاة ، ويصلي طويلا ، ثم يدعو ربه ألا يؤاخذ الجاني ، لأن الحق حقه وقد وهبه للجاني ، غافرا له ظلمه ، وكان يعتبر من ينتقم من عدوه وهو قادر على الانتقام ذليلا ، وإذا كان في العفو ذل فهو الذل في المظهر لا في الحقيقة ، بل إنه لا ذل فيه ، والانتقام إذا صدر عن القوي إذ