تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦

وكان كثير التبسم ، فإذا ذكر عنده النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اخضرّ واصفرّ ، ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال : إما مصليا ، وإما صائما ، وإما يقرأ القرآن ، وما رأيته قط يحدث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا على طهارة ، ولا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العباد الزهاد الذين يخشون اللّه « 1 » . وثانيها : الورع ، ولكن ورعه لم يكن حرمانا مما أحل اللّه ، فلم يكن تركا للحلال ، بل كان طلب الحلال من غير إسراف ولا خيلاء ، وقد أخذ بقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة » . ولكنه مع طلبه الحلال كان يميل إلى الحسن من الثياب ، وكان يحب أن يظهر أمام الناس بملبس حسن لكيلا تكون مراءاة فيما يفعل ، فكان يخفي تقشفه تطهيرا لنفسه من كل رياء . ولقد دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه الصادق فرأى عليه ثيابا حسنة لها منظر حسن ، ويقول الثوري : فجعلت أنظر إليه متعجبا ، فقال لي : يا ثوري مالك لا تنظر إلينا ؟ لعلك تعجب مما رأيت ؟ ! قلت : يا ابن رسول اللّه ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك . فقال لي : يا ثوري كان ذلك زمانا مقفرا مقترا وكانوا يعملون على قدر إقفاره وإقتاره ، وهذا زمان قد أقبل كل شيء فيه ، ثم حسر عن ردن جبته ، وإذا تحته جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن ، ثم قال الصادق : يا ثوري لبسنا هذا للّه ، وهذا لكم ، فما كان للّه أخفيناه ، وما كان لكم أبديناه . وثالثها : أنه لم ير لأحد غير اللّه حسابا ، فما كان يخشى أحدا في سبيل اللّه ولا يقيم وزنا للوم اللائمين ، ولم يخش أميرا لإمرته ، ولم يخش العامة لكثرتهم ، ولم يغيره الثناء ، ولم يثنه الهجاء ، أعلن براءته ممن حرفوا الإسلام ، وأفسدوا تعاليمه ، ولم يمال المنصور في أمر ، وكان بهذا الإخلاص وبتلك التقوى السيد حقا وصدقا .

نفاذ بصيرته وقوة إدراكه :

وإن الإخلاص إذا غمر النفس أشرقت بنور الحكمة ، واستقام الفكر والقول
هامش
( 1 ) المدارك مخطوط بدار الكتب المصرية الورقة رقم 210 .