أهانه الضعيف هو الذل الكبير ، فلا ذل في عفو ، ولا عظمة في انتقام ، ولقد قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما نقص مال من صدقة ، وما زاد عبد بالعفو إلا عزا ، ومن تواضع للّه رفعه .
وإن الحلم والتسامح خلق قادة الفكر والدعاة إلى الحق كما قال تعالى :
ادْع إِلى سَبِيل رَبِّك بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن
[ النحل : 125 ] وكما قال آمرا نبيه ، وكل هاد بل كل مؤمن :
خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْف وأَعْرِض عَن الْجاهِلِين
[ الأعراف :
199 ] .
شجاعته :
وفي صفحة 82 قال :
أولئك ذرية علي ونسله الكرام صقلتهم الشدائد ، ولم تهن من عزائمهم المحن ، فالشجاعة فيهم من معدنه ، وهي فيهم كالجبلة لا يهابون الموت ، وخصوصا من يكون في مثل أبي عبد اللّه الصادق الذي عمر الإيمان قلبه ، وانصرف عن الأهواء والشهوات ، واستولى عليه خوف اللّه وحده . ومن عمر الإيمان قلبه ومن لا يخش إلا اللّه فإنه لا يخاف أحدا من عباده ، مهما تكن سطوتهم وقوتهم ، وقد كان رضي اللّه عنه شجاعا في مواجهته من يدعون أنهم اتباع له ، وهم مع ادعاء هذه التبعية الرفيعة يحرفون الكلم عن مواضعه ، فهو لم يعن عن تعريفهم الحق ، وتصحيح أخطائهم وعن توجيههم حتى إذا لم يجد التوجيه والملام أعلن البراءة منهم وأرسل من يتحدثون باسمه ليعلنوا هذه البراءة .
وكذلك كان شجاعا أمام الأقوياء ذوي السلطان والجبروت ، لا يمتنع عن تذكيرهم بالطغيان تعريضا أو تصريحا على حسب ما توجبه دعوة الحق من مراعاة مقتضى الحال ، ويحكى أن المنصور سأله : لم خلق اللّه تعالى الذباب ؟ وذلك عندما وقعت ذبابة على وجه المنصور عدة مرات ، فأجاب الصادق معرضا بأهل الجبروت والطغيان : يذل به الجبارين .
وقد كان هذا في لقائه للمنصور ، وقد تقوّل عليه الذين يطوفون بالحكام الأقاويل ، وإن هذه الإجابة في هذا اللقاء لأكبر دليل على ما كان يتحلى به من شجاعة ، وإنه في هذا اللقاء لا يكتفي بذلك ، بل ينصح المنصور قائلا له : عليك بالحلم فإنه ركن العلم ، وأملك نفسك عند أسباب القدرة ، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه