معنيان متلاقيان في نفس المؤمن القوي الإيمان فمن شكر النعمة فهو الصابر عند نزول النقمة بل إن شكر النعمة يحتاج إلى صبر ، والصبر في النقمة لا يتحقق إلا من قلب شاكر يذكر النعمة في وقت النقمة ، والصبر في أدق معناه لا يكون إلا كذلك ، إذ الصبر الحقيقي يقتضي الرضا ، وهو الصبر الجميل .
ولقد كان أبو عبد اللّه صابرا شاكرا خاشعا قانتا عابدا ، صبر في الشدائد ، وصبر في فراق الأحبة ، وصبر في فقد الولد : مات بين يديه ولد له صغير من غصة اعترته فبكى وتذكر النعمة في هذا الوقت ، وقال : لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن ابتليت فقد عافيت .
ثم حمله إلى النساء ، فصرخن حين رأينه ، فاقسم عليهن ألا يصرخن ثم أخرجه إلى الدفن وهو يقول : سبحان من يقبض أولادنا ولا نزداد له إلا حبا . ويقول بعد أن واراه التراب : إنا قوم نسأل اللّه ما نحب فيمن نحب فيعطينا ، فإذا أنزل ما نكره فيمن نحب رضينا .
وها أنت ذا ترى أنه رضي اللّه عنه يذكر عطاء اللّه فيما أنعم ، في وقت نزول ما يكره ، وذلك هو الشكر الكامل مع الصبر الكامل .
وإن الصبر مع التململ لا يعد صبرا ، إنما هو الضجر ، والضجر والصبر متضادان ، وإنا نقول بحق إن أوضح الرجال الذين يلتقي فيهم الصبر مع الشكر ؛ هو الإمام الصادق .
سخاؤه :
قال كثيرون من المفسرين في قوله تعالى :
ويُطْعِمُون الطَّعام عَلى حُبِّه مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً
[ الإنسان : 8 ] إنها نزلت في علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، وإن كانت هي في عمومها وصفا للمؤمنين الصادقي الإيمان ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومهما يكن من القول في ذلك فإنه من المؤكد أن علي بن أبي طالب كان من أسخى الصحابة رضي اللّه عنهم ، بل من أسخى العرب ، وقد كان أحفاده كذلك من بعده ، فعلي زين العابدين كان يحمل الطعام ليلا ليوزعه على بيوت ما عرفت خصاصتها إلا من بعده .
ولم يكن غريبا أن يكون الإمام الصادق النابت في ذلك المنبت الكريم سخيا