تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
الصادق وعلمه ، فأئمة السنة الذين عاصروه تلقوا عنه وأخذوا ، أخذ عنه مالك رضي اللّه عنه ، وأخذ عنه طبقة مالك كسفيان بن عيينة ، وسفيان الثوري ، وغيرهم كثير ، وأخذ عنه أبو حنيفة مع تقاربهما في السن واعتبره أعلم الناس ، لأنه أعلم الناس باختلاف الناس ، وقد تلقى عليه رواة الحديث طائفة كبيرة من التابعين ، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني وأبان بن تغلب وأبو عمرو بن العلاء وغيرهم من أئمة التابعين في الفقه والحديث ، وذلك فوق الذين رووا عنه من تابعي التابعين ومن جاء بعدهم والأئمة المجتهدين الذين أشرنا إلى بعضهم . وفوق هذه العلوم أوتي الإمام الصادق عليه السّلام علما بحاجات سلوك المؤمن ومتطلبات الحفاظ على الأخلاق ، فسدد إلى الرأي الناجع والقول الحكيم ، وألهم قدرة التقويم والتأثير في النفوس . وقد اطلعنا على جوانب من اهتمام الإمام عليه السّلام بحياة الناس ومشاكل المجتمع فكان يبذل جهده من رأي ومال ومشاركة فعلية ، وجعل علم الأخلاق في مقدمة ما يرمي إلى شيوع أصوله وقواعده المتمثلة بدعوته إلى التمسك بتعاليم الدين الحنيف ، وقد أشرق علم الأخلاق من خلال قوة البرهان ونور الوجدان الديني وفعل مواقف الإمام وسيرته في النفوس وكانت وجوه التقوى والورع في مواجهة الانحراف وتقبّل الناس للرذيلة . وهكذا النفس المسئولة التي تتحمل أعباء دوام الدعوة تعالج الاعوجاج بالخلق القويم وتواجه الباطل بالحق المبين . ولننقل لك وصيته لابنه موسى فهي خلاصة تجارب نفس مؤمنة مستمسكة تمرست بالحياة وعلمت ما فيها ، فقد جاء في حلية الأولياء ما نصه : حدث بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق ، قال : دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه فكان مما حفظت منها أن قال : يا بني اقبل وصيتي ، واحفظ مقالتي ، فإنك إن حفظتها تعيش سعيدا ، وتموت حميدا . يا بني ، من رضي بما قسمه اللّه له استغنى ، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ، ومن لم يرض بما قسمه اللّه اتهم اللّه في قضائه ، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره .