ولما قدم الإمام الكوفة التف الناس حوله وازدحم رجال العلم عليه ، وكان محل تقدير جميع الطبقات ، مما جعل المنصور يحذر منه أشد الحذر ، لأن الناس التفوا حول الإمام عليه السّلام ( وفتنوا به ) على حد تعبير المنصور الدوانيقي ، كما حدث بذلك أبو حنيفة قال : بعث إليّ المنصور وقال لي : إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له مسائل شدادا ، فلخصت أربعين مسألة وبعثت بها إلى المنصور ، ثم أبرد إليّ ( أي أرسل إليّ بالبريد ) فوافيته على سريره وجعفر بن محمد عن يمينه ، فتداخلني من جعفر هيبة لم أجدها من المنصور فأجلسني . ثم التفت إليه قائلا : يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة . فقال عليه السّلام : نعم أعرفه . ثم قال المنصور : سله عما بدا لك يا أبا حنيفة ، فجعلت أسأله ويجيب الإجابة الحسنة حتى أجاب عن أربعين مسألة . فرأيته أعلم الناس باختلاف الفقهاء فبذلك أحكم أنه أفقه من رأيت « 1 » . وخاب أمل المنصور وأصبح أبو حنيفة يعلن للملإ ، ويحكم بأن أفقه الأمة جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام كما كان يرى أنه إمام الحق ويتكتم بذلك . سأله رجل يوما فقال : يا أبا حنيفة ، ما تقول في رجل وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق ؟ فأجابه أبو حنيفة : المستحق هو جعفر الصادق لأنه هو إمام الحق « 2 » . قال هذا بعد أن تأكد من الرجل في كتمان ما قاله ، وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى القضاء على أبي حنيفة بحجة امتناعه عن القضاء . ولا أستبعد أن قصة القائد الذي دعا الإمام الصادق إلى المائدة وأحضر عليها الشراب كان بوحي من المنصور لينال من كرامة الإمام عليه السّلام ، فتلك واحدة من محاولات العباسيين بدرت من غير واحد منهم . قال هارون بن الجهم : كنا مع أبي عبد اللّه عليه السّلام بالحيرة حين أقدمه
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 52
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٢
هامش
( 1 ) جامع مسانيد أبي حنيفة ج 1 ص 222 ومناقب أبي حنيفة للموفق ج 1 ص 177 .
( 2 ) تاريخ العلويين لمحمد أمين غالب ص 140 .