تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
المنصور ، فختن بعض القواد ابنا له وصنع طعاما ودعا الناس ، وكان أبو عبد اللّه فيمن دعي ، فاستسقى رجل ماء فأتي بقدح فيه شراب لهم ، فلما أن صار القدح بيد الرجل قام أبو عبد اللّه عن المائدة . وقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر » . وفي رواية أخرى : « ملعون ملعون من جلس طائعا على مائدة يشرب عليها الخمر » . وناهيك بما أحدثته هذه القضية من أثر في الاجتماع ، عندما يطلق أبو عبد اللّه هذه العبارة معبرا بها عن غضبه ، واستهانة بكرامة ذلك القائد حفظا لكرامة الإسلام ، فمن يا ترى يسمع هذه الكلمة من الصادق ، وينظر إلى تأثره ، ويبقى على تلك المائدة . فذلك نهج الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يرسخ أحكام القرآن ويرعى بذور الإيمان . أما الذين باعوا دينهم بدنياهم وارتضوا أن يكونوا أتباعا لحكام الجور والفجور فلهم أن يروا في موقف الإمام ما يناسب مصالحهم ويحميها لتبقى بطونهم ملأى بكل عفن وعقولهم سكرى بالضلال والانحراف . وبالاختصار فإن وجود الإمام الصادق في الكوفة كان أعظم على المنصور من كل شيء ، فعدل عن حكمه بالإقامة الجبرية على الإمام وأرجعه إلى المدينة وهكذا عدة مرات . وكان عليه السّلام يلجأ إلى اللّه في مهماته ويسأله دفع شر خصمه ومكره . قال رزام بن قيس الكاتب مولى خالد العشري : أرسلني المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليه السّلام ، فلما أقبلت عليه والمنصور بالحيرة وعلونا النجف نزل جعفر عن راحلته ، فأسبغ الوضوء فصلى ركعتين ، ثم رفع يديه فدنوت منه فإذا هو يقول : اللهم بك أستفتح وبك أستنجح وبمحمد عبدك ورسولك أتوسل ، اللهم سهل حزونته وذلل لي صعوبته ، وأعطني من الخير أكثر ما أرجو ، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف . ثم ركب راحلته ، فلما وقف بباب المنصور وأعلم بمكانه فتحت الأبواب ، ورفعت الستور ، فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه وأخذ بيده ،