تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

وما شاه حتى انتهى به إلى مجلسه ، ثم أقبل عليه يسأله عن حاله . . . الخ « 1 » وأنجاه اللّه من شره ، وتغيّر المنصور عما عزم عليه كل مرة يلقى فيها الإمام ، من أسرار سيرة الإمام الروحية . وحدث الربيع بأن المنصور أمر بإحضار جعفر بن محمد مرارا وقال واللّه لأقتلنه ، فلما لم ير بدا من إحضاره ، ولما دنا الإمام الصادق من الباب قام يحرك شفتيه . وكان يدعو « 2 » . . . وقد مر تفصيل هذه الحوادث وبيانها في الجزء الثاني والإشارة إليها في الجزء الرابع من هذا الكتاب ، وأن المنصور أحضره بين يديه للفتك به والقضاء عليه مرارا . وعلى كل حال : فإن الإمام الصادق عليه السّلام قد واجه محنا وتحمل مصاعب ، في سبيل الدعوة إلى الخير وتهذيب النفوس ، بنشر التعاليم الإسلامية الكفيلة بتنوير العقل الإنساني ، وإرشاده إلى أقوم سبل الخير والسعادة ، فكان المنار الذي اهتدت به القافلة الضالة ، فيمر تاريخه عبر مراحل التاريخ ، ويتخطى ذكره الزمن فتخلده الأجيال ، وتعتز به العلماء ، وترجح أقواله وأحكامه في مثار الجدل ومجالات النزاع العلمي ، فيكون قوله الفصل وحكمه العدل . وتمر قرون وقرون وهو ذلك الصادق في القول ، الموجه في دعوته والمعلم الأول لجميع المذاهب ، ويبقى ذكره رغم الحواجز والعقبات ، وينتشر مذهبه بقوة الحق ووضوح الحجة ، لا بقوة الحكومات ونفوذ السلطة . ومن العجيب أن يسمح البعض من كتّاب اليوم لنفسه بالتقوّل بما ليس له نصيب من الصحة ، فيذهب إلى ادعاء صفاء العلاقة بين الإمام الصادق والمنصور ، وأن المنصور هو الذي أطلق لقب الصادق على الإمام وذلك مما ينافي الحقيقة ، فقد رأينا كيف كان الإمام الصادق يواجه محنة دائمة بسبب المنصور ، وكيف كان المنصور يواجه مشكلة مستعصية تتمثل في نهج الإمام ومدرسته وسلوكه وميل القلوب إليه حتى أعجزه أمره لأن المكانة الروحية للإمام ، والمنزلة العلمية التي طبعت ذلك الجيل بطابعها وتركت الناس يلهجون بذكر الإمام الصادق ، ليس بسهل على المنصور

هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 320 .
( 2 ) المصدر السابق ج 4 ص 208 .