وكان هو بنفسه عليه السّلام يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ، ولا يرى في النهار إلا صائما وفي الليل إلا قائما ، وكان من العلماء العباد الذين يخشون اللّه . كما حدث عنه تلميذه مالك « 1 » . فكانت شخصيته عليه السّلام تزداد تمكنا في القلوب وشهرة في جميع الأقطار الإسلامية وسارت الركبان بذكره ، وقصده كبار الفقهاء ورجال الحديث من مختلف الأقطار ، على اختلاف نزعاتهم يسألونه عن مختلف المسائل وشتى العلوم . والشيء الذي نريد أن نقوله هنا هو أن المنصور كان يعد الإمام الصادق منافسا خطيرا أعياه أمره ، إذ لم يتمكن من القضاء عليه كما لم يتمكن من تحصيل تأييده ، فيحقق هدفه ، بل الأمر بالعكس . فلقد كان رأي الإمام الصادق في الدولة العباسية كرأيه في الدولة الأموية ، من حيث الظلم للرعية ، والاستبداد في الحكم ، والابتعاد عن الإسلام . وقد نهى عن المؤازرة للدولة الجديد ، كما نهى عن المؤازرة للدولة المنقرضة وصرح بذلك في عدة مواطن . فمثلا : سئل عليه السّلام عن البناء لهم وكراية النهر فأجاب : ما أحب أن أعقد لهم عقدة ، أو وكيت لهم وكاء ، ولا مدة بقلم ، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار ، حتى يحكم اللّه بين العباد . كما نهى عن معاونتهم حتى في بناء المساجد ، لأنه عليه السّلام يرى أن أموالهم مغصوبة ، لا يحق لهم التصرف فيها بأي نوع كان ، والمعاونة لهم في ذلك تشجيع لهم ، ومضاعفة لبلاء الأمة في تركيز عروش الظالمين . وأعلن غضبه على الفقهاء الذين يسيرون في ركب الدولة وحذر الناس منهم ، لأن شرهم أعظم بكثير من غيرهم ، عندما يخونون أمانة العلم ورسالة الإسلام . فكان يقول عليه السّلام : الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 49
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٩
هامش
( 1 ) التوسل والوسيلة لابن تيمية ص 52 ، ومالك لمحمد أبو زهرة ص 28 نقلا عن المدارك للقاضي عياض ص 212 .