يقصدها طلاب العلم ورجال الحديث على اختلاف نزعاتهم وكان ذكره حديث الأندية ، وكل ذلك يشق على المنصور وترتعد فرائصه كلما ذكر عنده جعفر بن محمد بخير . وكم فكر المنصور في القضاء عليه وإلحاقه بقائمة الشهداء من أهل البيت ، فلم يجد طريقا لذلك لأنه يخشى عاقبة الأمر فالإمام الصادق عليه السّلام كان يزداد على مرور الأيام تمكنا في القلوب ، وشهرة في الشعوب ، تجبى إليه الأموال ، وتشد لمدرسته الرحال ، وتهوي إليه الأفئدة ، ولم يعرف عنه أنه دعا إلى ثورة دموية ، أو نازع في سلطان علنا ليكون ذلك من المبررات للوقيعة فيه ، وقد اتخذ المنصور شتى الحيل في اتهامه فلم يستطع لذلك سبيلا « 1 » لأنه يرى أن دعوة الإمام الصادق وهي الدعوة الإصلاحية من أهم المشاكل التي تقف أمام تحقيق أهدافه ، من انتحال السلطان الشرعي ، وأن كل ما يفعله بإرادة اللّه وإذنه كما تقدم ، فهو بتلك الإيحاءات يحاول أن يوجه الناس إلى الاعتقاد بصحة خلافته وأن الخروج عليه خروج على إمام المسلمين ، وقد اتخذ شتى الأساليب في تنمية هذه الروح ، ليسلم من المؤاخذة على ما يرتكبه من الفتك برجال الأمة ، فهو يوجه الناس بأقواله ليجعلهم يؤمنون بصحة أعماله لأنها تصدر بمشيئة اللّه كما يزعم هو . وكان الإمام الصادق عليه السّلام يهدم ما يبنيه المنصور ويكذب ما يدعيه ، فقد كان يعبر عنه بالطاغية ولم يخاطبه بأمير المؤمنين قط ، وما ورد في مساجلاته معه عند مقابلته بأنه خاطبه بهذا اللفظ ، فإنما هو من تعبير الرواة ولهجتهم وتأتي في النصوص المنقولة مما يجب الانتباه إليه . كيف تتحقق أهداف المنصور ولم يكسب رضا أعظم شخصية إسلامية ، وأكبر زعيم ديني ، وهو الإمام الصادق الذي كان نسيجا وحده في الاستقامة والحرص على هداية الأمة ، ولم يعرف الناس عنه إلا أنه داعية إلى اللّه مجاهد في نصرة الدين ، محافظ على وحدة المسلمين في التمسك بتعاليم الإسلام ونبذ الحزازات وترك الخرافات .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 48
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٨
هامش
( 1 ) راجع الجزء الرابع في : خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية ودولة المنصور العباسية .