المنصور بإظهارها بالتدريج ويعلن عنها كما في كلامه لأهل خراسان : يا أهل خراسان أنتم شيعتنا وأنصارنا ، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منا وإن ولد أبي طالب تركناهم ، والذي لا إله إلا هو فلم نعرض لهم بقليل ولا بكثير ؛ إلى أن يقول : فلما استقرت الأمور على قرارها من فضل اللّه وحكمه العدل ، وثبوا علينا حسدا منهم ، وبغيا لهم بما فضلنا اللّه عليهم وأكرمنا من خلافته ميراثنا من رسول اللّه « 1 » . وبهذا وغيره فقد تمكن من وضع طابع الدولة الشرعي صوريا ، ليكسب لنفسه ولأحفاده من بعده حق وراثة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإن استدراج البسطاء بأساليب التمويه والخداع من السهولة بمكان ، ولكن من العسير عليه أن يخدع ذوي الأفكار الواسعة ، والعقائد الراسخة . لذلك كان يحسب لهم ألف حساب . إنه يريد أن يتربع على دست الحكم ، ويصبح خليفة للمسلمين وأميرا للمؤمنين ، وبهذا يلزمه العمل بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وأن ينصح للمسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فإمرة المسلمين ليست شيئا هينا يستطيع كل من ولي أمر المسلمين أن يتلقب بها ، وإنما هي تصور الأعباء الثقال ، والعناء المتصل ، والجهد الذي ليس فوقه جهد في إقرار العدل ورفع الظلم ، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء ، وتحقيق المساواة بين الناس والقيام فيهم بأمر الحزم كل الحزم حتى لا يطمع إلى ما لا ينبغي أن يبلغه ، وفوق هذا كله إنصاف الناس من نفسه كإنصاف بعضهم من بعض . والمنصور لا يتصف بشيء من ذلك فهو ظالم في حكمه ، جائر على رعيته ، قد استأثر بأموال الأمة وجعل بيت المال ملكا له دون المسلمين ، وكانت سيرته لا ترتبط مع تعاليم الإسلام ومفاهيمه ، وقد تعرضنا فيما سبق عن سوء سيرته وقبيح أعماله ، كما وقد مرت الإشارة إلى قبضه على زعماء الطالبيين ، وقتل جماعة منهم ، وسجن آخرين ماتوا كلهم في السجن نتيجة للتعذيب الوحشي ، والمعاملة القاسية التي سار عليها لتثبيت دعائم ملكه . ولم يبق أمام عينه إلا الإمام الصادق عليه السّلام وهو زعيم العلويين وسيد أهل البيت في عصره ، وقد اشتهر ذكره وأقبلت الأمة على الأخذ منه ، وكانت مدرسته
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 47
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٧
هامش
( 1 ) المصدر السابق .