أما عند المجامع العامة والمواطن التي تحرك فيها الناس انتقاما لأهل بيت النبوة فكانوا يدارون المشاعر ولا يجرءون على القول بإمامتهم هذه التي لا يعرفها الناس إلا من خلال جهد الأئمة في علاج الكيسانية وأوهامهم التي تبعثها العاطفة المكبوتة فتؤثر في السلوك والمواقف ثم ما تلبث أن تثوب إلى الواقع بتصدي أئمة أهل البيت لتطويعها وتخفيف غمرة الانفعال عنها ، وتسكين موجة التأثر تأسيا وتألما لما أصاب آل بيت النبوة من أهوال وفجائع ، فاعتاض الناس بالخيال والأوهام وراحوا ينسجون على منوال العاطفة أحوالا من النعيم وأوضاعا من الجنة في الجبال العالية . وعلى أي حال كان العباسيون يريدون بذلك أن ينظر الناس إليهم كخلفاء للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمناء على شريعته ، وأنهم ظل اللّه في أرضه ، ورعاة عباده ، مع عدم الصفات المؤهلة لهم إذ لم يبرزوا بالشكل الذي يحقق ذلك . وكان المنصور هو أول من جاهر بالخطة وباشر بالتنفيذ ، وقد أعلن ذلك على المنبر يوم عرفة بقوله : أيها الناس إنما أنا سلطان اللّه في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه وتسديده ، وأنا خازنه على فيئه ، أعمل بمشيئته ، وأقسمه بإرادته ، وأعطيه بإذنه ، فقد جعلني اللّه عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم فتحني الخ « 1 » . وخاطب أهل خراسان بقوله : ابتعثكم اللّه لنا شيعة وأنصارا ، فأحيا اللّه شرفنا وعزنا بكم وأظهر حقنا ، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقر الحق في قراره ، وأظهر اللّه مناره ، وأعز أنصاره ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين « 2 » . وهذه اللهجة كانت لهجة خادعة ومغالطة يحاول أن يسيطر بها على عقول أولئك البسطاء ، ليخنق فكرة المعارضة التي تؤدي بسلطانه إلى الانهيار ، وليستغل تلك الاستعدادات التي في نفوسهم لمناصرة الخلافة الحقة ويربط بين شعورهم وبينه ، فإن هدف الثوار في تلك النهضة التي أطاحت بالحكم الأموي ، هو إقامة دولة تحكم بكتاب اللّه وسنة رسوله وكانت الهتافات للدعوة إلى الرضا من آل محمد . وظل العباسيون في غمار الثورة يحتفظون بادعائهم للإمامة كما أخفوا نواياهم التي بدأ
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 46
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٦
هامش
( 1 ) الطبري ج 9 ص 31 .
( 2 ) مروج الذهب ج 3 ص 314 .