تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
فيها المنفرد بالتوجيه والإرشاد ، وإنه قد عرف بغزارة العلم كرم اللّه وجهه . وعمق انصرافه إلى الإفتاء في مدة الخلفاء قبله ، والمشاركة في كل الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص وتقليب للأمور من كل وجوهها ، مع تمحيص وقوة استنباط . وإنه يجب علينا أن نقرر هنا أن فقه علي وفتاويه وأقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته ، ولا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس والإفتاء في مدة الراشدين قبله ، وقد كانت حياته كلها للفقه وعلم الدين ، وكان أكثر الصحابة اتصالا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد رافق الرسول وهو صبي قبل أن يبعث عليه السّلام واستمر معه إلى أن قبض اللّه تعالى رسوله إليه ، ولذا كان يجب أن يذكر في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها . وإذا كان لنا أن نتعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات علي وفقهه فإنا نقول : إنه لا بد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء والإفتاء ، لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا عليا فوق المنابر ، وأن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه ، وينقلون فتاويه وأقواله للناس ، وخصوصا ما كان يتصل منها بأساس الحكم الإسلامي . والعراق الذي عاش فيه علي رضي اللّه عنه وكرم وجهه ، وفيه انبثق علمه ، كان يحكمه في صدر الدولة الأموية ووسطها حكام غلاظ شداد ، وهم الذين يخلقون الريب والشكوك حوله ، حتى أنهم يتخذون من تكنية النبي له « بأبي تراب » ذريعة لتنقيصه ، وهو رضي اللّه عنه كان يطرب لهذه الكنية ويستريح لسماعها لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قالها في محبة كمحبة الوالد لولده . ولكن هل كان اختفاء أكثر آثار علي رضي اللّه عنه وعدم شهرتها بين جماهير المسلمين سبيلا لاندثارها ، وذهابها في لجة التاريخ إلى حيث لا يعلم بها أحد . . . ! ! إن عليا قد استشهد وقد ترك وراءه من ذريته أبرارا أطهارا كانوا أئمة في علم الإسلام وكانوا ممن يقتدى بهم ، ترك ولديه من فاطمة الحسن والحسين ، وترك رواد الفكر محمد بن الحنفية فأودعهم رضي اللّه عنه ذلك العلم . . . أقول : ذكرنا هذه الملاحظة مع طولها باختصار وفيها تقرير لحقائق يجب مراعاتها والالتفات إليها بدون تحيز .