لأنه قد أخذ على نفسه بدراسته عن المذاهب : ( أن يستخلص الحق مما تأشب به واختلط ، كما يستخلص الذهب مما اختلط به من مواد غريبة عنه ، وإن تم بينه وبينها المزج والاتحاد ، وفي هذا السبيل نرد بعض الأقوال ونقبل بعضها كما يفعل الصيرفي ، إذ يرد الزيوف من النقود ويقبل النافقة الرائجة ) « 1 » . وليس من الحق هنا أن يعرض عما تأشب به ، وليس من الحق هنا أن تقبل المزيف ولا ترده ، وإنك يا فضيلة الشيخ نصبت نفسك هنا حاكما لا مدعيا ، فكان الأجدر بك ألا تأخذ بكل ما يقال فتحكم به ، وإن جزمك بوجود الفرقة السبئية يهدم أملنا بك وبأمثالك من دعاة الوحدة الإسلامية ، ممن نرجو بهم إظهار الحقيقة ، والقضاء على الأساطير والخرافات ، التي وضعت حجر عثرة في طريق تقارب المسلمين ، وإن أسطورة ابن سباء قد آن الأوان لانتزاعها من الأذهان ، فهي حديث خرافة لا يليق برجال العلم أن يعتنوا بها . فهي من وضع الزنيدقة الذين كان جل قصدهم إثارة الفتنة بين المسلمين . كما أن اتهام المختار بما لا يليق به هو من الأمور المزيفة التي يلزم استخلاصها وعدم قبولها على ما ألحقته به الأغراض والنوايا التي عارضتها ثورته . هذا كله بالنظر إلى قضية اتهام المختار من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات ، أما إذا نظرنا إليها من حيث ما جره عداء الأمويين له ، وتحزبهم عليه وساعدهم على ذلك قوم موتورون ، لأنه قد حكم السيف منتقما ممن أراق دم أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإذا تعمق الباحث في بحثه ، ومشى على ضوء الأدلة متجردا عن الهوى والعصبية ، فلا يجد أي سبب لتلك الاتهامات ، والمختار بريء مما علق بأبراده من درن ، وكان من الواجب أن يعطي موقفه ضد أعداء أهل البيت ، وموقف أبيه من قبل ضد أعداء الإسلام مزيدا من التريث في إعطاء الحكم عليه بدون درس لقضيته واستنطاق للحوادث « 2 » . وإن حكم الشيخ أبي زهرة بهذه الصورة المؤلمة ، في إسناد الأفكار الخبيثة إليه ، وأن المختار هو مصدر اختلاف الآراء ، ونشر العقائد أمر مخالف للحق ، وبعيد
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 117
مساهمون: اسد حيدر
ص١١٧
هامش
( 1 ) كتاب مالك لأبي زهرة ص 15 .
( 2 ) أضفنا بابا عن ثورة المختار في كتابنا ( مع الحسين في نهضته ) بطبعته الجديدة إنشاء اللّه .