قد قطع أهل المدينة إزاره ، وهو دائب يجيبهم ويسألونه ، فدنوت منه وقلت : إن أبا عبد اللّه نهانا عن الكلام . فقال : أو أمرك أن تقول لي ؟ فقلت : لا واللّه ولكنه أمرني أن لا أكلم أحدا . قال : فاذهب وأطعه فيما أمرك . فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق ، فتبسم أبو عبد اللّه عليه السّلام وقال : « يا أبا خالد إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير ، وأنت إن قصّوك لن تطير » « 1 » .
علمه ونبوغه :
وكان محمّد بن علي بن النعمان كثير العلم ، متفوقا في معارفه ، قويا في حجته ، تعددت فيه نواحي العبقرية والنبوغ - فهو عالم - بالفقه ، والكلام ، والحديث ، والشعر ، وكان قويّ العارضة ، سريع الجواب واضح الحجّة .
اشتغل بالتجارة وتنقّل بين أكثر المدن الإسلامية ، وعرف بتشيّعه وإخلاصه لأهل البيت عليهم السّلام ولقي من عنت خصومهم والمناوئين لهم ما نغّص عليه عيشه ، ولكن لم يحل ذلك بينه وبين الإعلان بمبدئه ، والجهر في دعوته . وكان يتمتع بشخصية فذّة ، يعترف له الناس بالفضل والعلم ، والنبوغ والتفوّق .
وقد كان عصره يقضي على المفكّرين - من أمثاله - بكبت الشعور وكم الأفواه ، وتمويه الحقائق ، ولكنه لم يخضع لذلك الحكم الجائر ، فهو لا يزال يدعو بالحق ، ويعلن بفضل عليّ ، ويظهر تمسكه بأبنائه .
مناظراته واحتجاجه :
كان مؤمن الطاق يمتاز بقدرة فائقة على الجدل ، وقوة في التفكير ، ومهارة في الاستنباط . ويكاد المؤرخون يجمعون على تفوقه ، في سرعة الجواب وقوة العارضة .
وإذا أردنا استقصاء مناظراته فالأمر يستلزم الإطالة ، ولكننا نكتفي بالبعض منها ، وهي كثيرة مبعثرة في بطون الكتب .
1 - اجتمع قوم من الخوارج وقوم من الشيعة بالكوفة عند أبي نعيم النخعي ، فقال أبو حدرة الخارجي : أن أبا بكر أفضل من علي وجميع الصحابة بأربع خصال :
فهو ثان لرسول اللّه دفن في بيته ، وهو ثاني اثنين معه في الغار ، وهو ثاني اثنين صلى
هامش
( 1 ) الكنى والألقاب ج 2 ص 298 .