المعتصم يوما ، فلقيه رجل شيخ فقال للمعتصم : يا أبا إسحاق . فأراد الجند ضربه ، فمنعهم المعتصم وقال له : ما لك يا شيخ ؟ قال : لا جزاك اللّه خيرا عن الجوار جاورتنا مدة فرأيناك شرّ جار ، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا ، فأيتمت بهم صبياننا ، وأرملت نساءنا ، واللّه لنقابلنّك بسهام السحر ( الدعاء ) . هذا والمعتصم يسمع ذلك ، فدخل منزله ولم ير راكبا في يوم مثل ذلك اليوم ، ثم ركب وصلّى بالناس العيد ، وسار إلى موضع سامراء فبناها وكان في سنة 221 ه . ولم يكن المعتصم كأخيه المأمون . أو كولده الواثق في العطف على العلويين ، ولم يكن كالرشيد في تشدده ، بل كان معتدلا وسطا . والذي يظهر أن اعتداله كان بوصية من المأمون ، فقد جاء فيها : وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأحسن صحبهم وتجاوز عن مسيئهم ، وأقبل من محسنهم ، وصلاتهم فلا تغلها في كل سنة ، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى « 1 » . وحدث أحمد بن سليمان بن أبي شبح قال : قدم الزبير بن بكار العراق هاربا من العلويين لأنه كان ينال منهم فهددوه فهرب منهم ، وقدم على عمه مصعب بن عبد اللّه بن الزبير ، وشكى إليه حاله وخوفه من العلويين ، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم ، فلم يجد عنده ( أي عند عمه ) وأنكر عليه حاله ولامه . قال أحمد : فشكى ذلك إليّ وسألني مخاطبة عمّه في أمره ، فقلت له في ذلك ، وأنكرت عليه إعراضه فقال لي : إن الزبير فيه جهل وتسرّع فأشر عليه أن يستعطف العلويين ، ويزيل ما في نفوسهم منه ، أما رأيت المأمون ورفقه بهم ، وعفوه عنهم ، وميله إليهم ؟ قلت : بلى . قال : فهذا أمير المؤمنين ( أي المعتصم ) مثل ذلك أو فوقه ، ولا أقدر أن أذكرهم عنده بقبيح ، فقل له ذلك حتى ينتهي عن الذي هو عليه في ذمهم « 2 » . ولما حضرت المعتصم الوفاة جعل يردد هذه الآية :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 477
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٧٧
حَتَّى إِذا فَرِحُوا
فَإِذا هُم مُبْلِسُون
.
هامش
( 1 ) الطبري ج 10 ص 295 .
( 2 ) الكامل لابن الأثير ج 7 .