وفي سنة 201 ه أحصى المأمون جميع العباسيين ، فبلغوا ثلاثة وثلاثين إلفا بين ذكور وإناث . وكان المأمون يتحرى العدل ، ويتولى بنفسه الحكم بين الناس والفصل . جاءته امرأة ضعيفة قد تظلمت على ابنه العباس وهو قائم على رأسه ، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه ، فادّعت بأنه أخذ ضيعة لها واستحوذ عليها ، فتناظرا ساعة ، فجعل صوتها يعلو على صوته ، فزجرها بعض الحاضرين . فقال المأمون : اسكت فإن الحق أنطقها والباطل أسكته . ثم حكم لها بحقها ، وأغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم « 1 » . واشتهر عنه أنّه كان يقول : لو يعلم الناس ما أجد في العفو من لذة لتقرّبوا إليّ بالذنوب . وحدّث المرزباني : أن دعبل الخزاعي هجا المأمون بقوله :
أيسومني المأمون خطة عاجز * أو ما رأى بالأمس رأس محمّد
إني من القوم الذين هم هم * قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد
فطلبه المأمون فاستتر منه ، إلى أن بلغه أنّه هجا إبراهيم بن المهدي بقوله :
إن كان إبراهيم مضطلعا بها * فلتصلحن من بعده لمخارق
فضحك المأمون وقال : قد وهبته ذنبه فليظهر . فسار إليه ، فكان أول داخل عليه .
ولما قدم على المأمون وأمنه استنشده القصيدة الكبيرة ، وهي الرائية وعدد أبياتها 24 بيتا ومطلعها :
تأسفت جارتي لما رأت زوري * وعدّت الحلم ذنبا غير مغتفر
فأنكرها ، فقال المأمون : لك الأمان أيضا على إنشادها فأنشدها ، حتى إذا بلغ إلى قوله :
يا أمة السوء ما جانيت أحمد عن * حسن البلاء على التنزيل والسور
خلفتموه على الأبناء حين مضى * خلافة الذئب في أبقار ذي بقر
قتل وأسر وتحريق ومنهبة * فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير ج 10 ص 277 .